جدل المحروقات يشتعل.. والاستقلال يرد: لسنا ضد المواطنين بل ضد هذا الحل

حسين العياشي

خير_في خضم الجدل الذي أثاره مقترح قانون يروم تسقيف أسعار المحروقات، برز موقف حزب الاستقلال باعتباره من أكثر المواقف التي استدعت التساؤل، بعدما اختار عدم التصويت لصالح النص، في خطوة فتحت الباب أمام تأويلات سياسية متباينة بين من اعتبرها تخليا عن الدفاع عن القدرة الشرائية للمواطنين، ومن رأى فيها تعبيرا عن رؤية اقتصادية مختلفة لمعالجة اختلالات سوق المحروقات.

الحزب سارع إلى توضيح خلفيات موقفه، مؤكدا أن النقاش الدائر حول المحروقات يختلط فيه، في كثير من الأحيان، ما بين مفهومين مختلفين: تسقيف أسعار المحروقات من جهة، وتسقيف هوامش أرباح الفاعلين في القطاع من جهة أخرى. فبالنسبة للاستقلاليين، لا يمكن التعامل مع أسعار المحروقات باعتبارها معطى داخلياً خالصاً، مادامت مرتبطة بشكل وثيق بتقلبات الأسواق الدولية وأسعار النفط العالمية. ولذلك، فإن فرض سقف إداري على الأسعار النهائية، وفق هذا المنطق، قد يفضي إلى اختلالات تمس توازنات السوق الوطنية وقدرة البلاد على ضمان التزود المنتظم بهذه المادة الحيوية.

وفي المقابل، يدافع الحزب عن خيار آخر يعتبره أكثر واقعية ونجاعة، يتمثل في تقنين هوامش الأرباح والحد من الممارسات الاحتكارية والاتفاقات غير المشروعة التي تضر بالمنافسة وترفع الأسعار إلى مستويات تفوق ما تبرره كلفة الاستيراد والتوزيع. فالمشكل، في تقديره، لا يكمن بالضرورة في السعر الدولي للمحروقات، بقدر ما يكمن في الأرباح المفرطة التي يمكن أن تتحقق داخل السوق الوطنية في غياب منافسة حقيقية وفعالة.

ومن بين أبرز مبررات الحزب أيضا رفضه العودة إلى منطق الدعم الشامل الذي كان يؤطر نظام المقاصة. فالتجربة السابقة، بحسب قراءته، أظهرت أن الجزء الأكبر من الدعم كان يذهب إلى الفئات الأكثر استهلاكاً والأعلى دخلا، بدل أن يصل إلى الفئات الهشة التي يفترض أن تستفيد منه بالدرجة الأولى. لذلك يرى أن إعادة إحياء هذا النموذج من شأنها أن تستنزف موارد مالية ضخمة في وقت تخوض فيه الدولة أوراشا اجتماعية كبرى، على رأسها تعميم الحماية الاجتماعية وبرنامج الدعم الاجتماعي المباشر الذي تستفيد منه ملايين الأسر المغربية.

ويعتبر الحزب أن توجيه الموارد العمومية نحو الفئات المستحقة بشكل مباشر يحقق قدرا أكبر من العدالة والفعالية مقارنة بالدعم الأفقي الذي يستفيد منه الجميع بغض النظر عن مستويات الدخل والحاجة الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، يقدَّم خيار تسقيف هوامش الربح باعتباره حلاً يوازن بين حماية المستهلك والحفاظ على استدامة المالية العمومية.

غير أن النقاش لم يبق محصورا في الجوانب التقنية والاقتصادية، بل امتد إلى الساحة السياسية. فحزب الاستقلال يرى أن الجدل المثار حول موقفه لا ينفصل عن حسابات انتخابية مبكرة، وأن بعض الأطراف تحاول توظيف ملف المحروقات في إطار معركة استقطاب سياسي أكثر من كونه نقاشا موضوعيا حول أنجع السبل لحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

وفي هذا السياق، يذكّر الحزب بأن القوى السياسية التي تتصدر اليوم المطالبة بتسقيف الأسعار هي نفسها، وفق روايته، من أشرفت في مرحلة سابقة على تحرير أسعار المحروقات ورفع الدعم عنها دون إقرار آليات كافية لحماية المستهلك من تقلبات السوق. لذلك يعتبر أن تقديم نفسها اليوم باعتبارها المدافع الأول عن القدرة الشرائية للمغاربة يطرح، في نظره، مفارقة سياسية لا تخلو من التناقض.

وبين منطق التسقيف المباشر للأسعار ومنطق ضبط هوامش الأرباح، تتجاوز المعركة حدود الاختيارات التقنية لتلامس رهانات سياسية وانتخابية آخذة في التشكل مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة. أما حزب الاستقلال، فيؤكد تمسكه بخيار يعتبره أكثر انسجاماً مع التوازنات الاقتصادية والاجتماعية للدولة، رافضاً ما يصفه بالشعبوية السياسية أو توظيف معاناة المواطنين في معارك المزايدة، ومشدداً على أن حماية القدرة الشرائية لا ينبغي أن تتم على حساب الاستدامة المالية ولا على حساب الأوراش الاجتماعية الكبرى التي تراهن عليها المملكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى