
مديحة المهادنة: صحافية متدربة
حوار_في سياق يتجدد فيه النقاش حول المشاركة السياسية للنساء بالمغرب، بين المكتسبات التي راكمتها التجربة الوطنية منذ اعتماد آليات التمييز الإيجابي، وبين استمرار محدودية حضور النساء في مواقع القرار الفعلي، تبرز الحاجة إلى مساءلة واقع التمثيلية النسائية داخل المؤسسات المنتخبة والأحزاب السياسية.
في حوار مع “إعلام تيفي”، تقدم خدوج السلاسي، عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، قراءة في واقع المشاركة السياسية للنساء بالمغرب، وتكشف حدود الانتقال من التمثيلية العددية إلى التأثير الفعلي، كما تتوقف عند أبرز العوائق التي ما تزال تكبح ولوج النساء إلى مواقع المسؤولية والقرار.
كيف تقرئين واقع المشاركة السياسية للنساء في المغرب اليوم، بين ما تحقق من مكتسبات وما يزال مطروحا من تحديات؟
تعرف تمثيلية النساء في المؤسسات المنتخبة تقدما عدديا ملموسا في بلادنا، سواء على المستوى الوطني داخل المؤسسة التشريعية، أو على المستوى الترابي في الجماعات والمجالس الإقليمية والجهوية. فقد وصل عدد النساء في مجلس النواب، مثلاً، إلى 95 برلمانية.
غير أن الفضل في هذا التقدم يعود أساسا إلى اعتماد آلية التمييز الإيجابي، أو ما يعرف بـ”الكوطا”، بنوعيها؛ الوطنية سابقاً والجهوية حالياً. فاليوم، لا تتجاوز النساء اللواتي وصلن إلى مجلس النواب عبر الدوائر المحلية خمس نساء فقط.
ورغم أن نسبة تمثيلية النساء داخل البرلمان تبلغ حوالي 24 في المائة، فإنها تظل ضعيفة بالنظر إلى طموح النساء ونضالاتهن من أجل الارتقاء بمشاركتهن في صناعة القرار السياسي. فكل السياقات الحالية تسير في اتجاه ضرورة رفع هذه النسبة، وعلى رأسها الوثيقة الدستورية لسنة 2011، التي شددت على المساواة بين الجنسين، وأقرت مبدأ السعي إلى المناصفة باعتباره إحدى الآليات الأساسية لتفعيل هذه المساواة.
ويضاف إلى ذلك ضعف تجسيد الإرادة الملكية السامية، التي انتصرت دائماً لتمكين النساء اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. فنسبة حضور النساء اليوم في مواقع القرار السياسي، والبرلمان نموذجاً، لا تعكس السند القانوني، ولا تعكس الإرادة الملكية السامية، كما لا تعكس تطور أوضاع النساء في بلادنا ونجاحهن في مجالات كثيرة كانت، في السابق، حكراً على الرجال.
وقد لا تحمل الانتخابات المرتقبة ليوم 23 شتنبر 2026 الشيء الكثير في هذا السياق، إذا لم تُترجم هذه المبادئ إلى إجراءات عملية أكثر جرأة.
إلى أي حد استطاعت النساء الانتقال من مجرد الحضور داخل المؤسسات المنتخبة إلى التأثير الفعلي في صناعة القرار؟
أولاً، لا بد من تسجيل ملاحظة أساسية، وهي أن سؤال التأثير الفعلي داخل المؤسسات المنتخبة لا يُطرح غالباً إلا عند تقييم حضور النساء المنتخبات، سواء تشريعياً أو ترابياً. وهنا يطرح سؤال مقابل: هل كل الرجال المنتخبين مؤثرون فعلاً داخل مؤسساتهم؟ وهل يجسدون الحضور بشكل دائم ومنتظم، إن لم يكن على مستوى النجاعة والفعالية، فعلى الأقل على مستوى الحضور الجسدي؟
ثانياً، إن التأثير الفعلي للنساء، سواء داخل البرلمان أو داخل المؤسسات الترابية، مرتبط أيضاً بعدد هؤلاء النساء. فكلما ارتفع منسوب الكم، توفرت حظوظ أكبر لإنتاج الكيف. ومع ذلك، يمكن القول، دون مجازفة، وبشهادة عدد من الملاحظين، إن النساء البرلمانيات سجلن حضوراً قوياً وفعالاً داخل المؤسسة التشريعية.
كما برز حضور النساء على مستوى الاشتغال داخل اللجان، التي تعد اللحظات الحقيقية لمساءلة الحكومة ومراقبة السلطة التنفيذية في مجال السياسات العمومية. وسجلت البرلمانيات كذلك حضوراً لافتاً في طرح الأسئلة الكتابية والشفوية، وفي اللجان الاستطلاعية ولجان مراقبة السياسات العمومية.
أما على مستوى الدبلوماسية البرلمانية، فقد سجلت النساء البرلمانيات حضوراً قوياً وجدية عالية في تمثيل بلادنا لدى الأصدقاء وفي المحافل الدولية.
ولعل ما يفسر هذا الحضور الفعال، رغم ضعف العدد، هو حرص النساء على تقديم صورة إيجابية عن أدائهن للمهام الموكولة إليهن، وارتفاع المستوى التعليمي في صفوفهن، فضلاً عن وعيهن بأن كل الأنظار موجهة إليهن، وأنه لا يسمح لهن بالتراخي أو التهاون.
وبالتأكيد، توجد تفاوتات، فليست كل النساء على المستوى نفسه من التكوين والجدية والتفاني، لكن معدل الفعالية والنجاعة يظل إيجابياً جداً.
ما هي، في نظرك، أبرز العوائق التي ما تزال تحد من ولوج النساء إلى مواقع المسؤولية السياسية، سواء داخل الأحزاب أو المؤسسات المنتخبة؟
للنهوض بواقع التمثيلية السياسية للنساء وتعزيز حضورهن في مواقع القرار، يتعين الاشتغال على مجموعة كبيرة من المعيقات، لأن المسألة في منتهى التعقيد والتداخل.
ومن بين أبرز هذه المعيقات غياب إرادة حقيقية وجرأة سياسية فعلية لتفعيل مقتضيات دستور 2011 المتعلقة بالمناصفة والمساواة الكاملة. فبعد أكثر من 15 سنة على إقرار هذا الدستور، كان من المفترض أن يتحول مبدأ السعي إلى المناصفة إلى إجراءات تنظيمية وتشريعية واضحة، تفعل المناصفة في اللوائح الانتخابية، استكمالاً للبناء الديمقراطي للمؤسسات، وتعزيزاً لمصداقية التمثيلية السياسية الديمقراطية.
كما أن من أهم العوائق استمرار البنيات الحزبية القائمة في تدبير اللوائح الانتخابية بمنطق تحكمه عقلية ذكورية متخلفة عن التحولات السوسيولوجية التي عرفها المجتمع المغربي، ومتخلفة أيضاً عن ما راكمته النساء من تطور في مختلف المجالات، وعن وثيقة دستورية توافق حولها المغاربة.
ومن العوائق أيضاً تراجع وحياد المثقفين والأكاديميين عن الانخراط في العمل السياسي، وعن المساهمة في تجاوز المعيقات السوسيوثقافية والأحكام النمطية المسبقة ضد النساء عموماً، والنساء السياسيات خصوصاً.
كما أن ضعف الانخراط الحزبي للنساء، وتدني روح التنافس الحقيقي داخل البنيات الحزبية مع الرجال، وضعف منسوب الثقة في الذات، كلها عوامل تؤثر على مسار المشاركة السياسية النسائية.
إلى جانب ذلك، لا بد من الاعتراف بأن الانخراط في العمل الحزبي والسياسي مسألة شاقة ومتعبة، تستهلك الوقت والصحة والأعصاب، خاصة في ظل غياب شروط الاشتغال الجيد، وضعف معايير المنافسة الشريفة.
برأيك، ما الذي تحتاجه المرأة السياسية اليوم حتى تنتقل من التمثيلية العددية إلى ممارسة فعلية للتأثير والاقتراح والمراقبة؟
أولاً، لا بد من الاعتراف بأن التمثيلية النسائية اليوم ما تزال ضعيفة على المستوى العددي. وثانياً، يجب التأكيد على أن المشاركة الإيجابية للنساء، من حيث الحضور والفعالية، أصبحت أمراً ثابتاً وملموساً.
إن الارتقاء بهذه المشاركة وتعزيز حضور النساء في مواقع القرار من شأنه أن يمنح السياسة نفساً جديداً ومعنى إضافياً، خصوصاً في زمن تراجعت فيه نسبة الثقة في السياسة والسياسيين.
ولتحقيق ذلك، لا بد من العمل على أكثر من واجهة، من خلال معالجة المعيقات التي سبق ذكرها، وفي مقدمتها تفعيل المناصفة بشكل واضح، وتعزيز الجرأة السياسية داخل الأحزاب، وتشجيع النساء على الانخراط والمنافسة، وتوفير شروط عادلة تسمح لهن بالانتقال من مجرد الحضور العددي إلى ممارسة فعلية للتأثير والاقتراح والمراقبة داخل المؤسسات المنتخبة.





