البكاري لـ”إعلام تيفي”: الانتخابات وحدها لا تكفي لإعادة بناء الثقة في المؤسسات التمثيلية

المهدي سابق

خبر _ تثير الانتخابات بالمغرب، مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، نقاشا متجددا حول مستويات المشاركة السياسية ومدى قدرة المؤسسات التمثيلية على استعادة ثقة المواطنين. وفي ظل التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، تتواصل الأسئلة المرتبطة بأدوار الأحزاب السياسية وحدود التمثيلية وآفاق الإصلاح السياسي.

وفي تصريح لـ”إعلام تيفي”، قال خالد البكاري، الأستاذ الجامعي والفاعل السياسي، أن النقاش حول نسب المشاركة الانتخابية بالمغرب يرتبط بإشكالات أوسع تتعلق بالتمثيلية الديمقراطية والثقة في المؤسسات، معتبراً أن العزوف عن التصويت لا يمكن اختزاله في ضعف الاهتمام بالشأن العام، بل يعكس أيضا تساؤلات متزايدة حول أدوار المؤسسات المنتخبة والأحزاب السياسية.

وأوضح البكاري أن الشرعيات الدينية والتاريخية والرمزية ما تزال تؤدي أدوارا مهمة في تعزيز الاستقرار، في حين تواجه الانتخابات تحديات مرتبطة بقدرتها على تحقيق الاندماج السياسي وتجسيد المشاركة الشعبية ضمن مسار التحديث السياسي.

وأضاف أن تراجع الإقبال على المشاركة الانتخابية يعكس وجود مسافة متزايدة بين جزء من المواطنين والمؤسسات التمثيلية، مشيراً إلى أن الأحزاب والانتخابات والحملات الانتخابية والمؤسسات المنتخبة أصبحت، لدى فئات من الرأي العام، مرتبطة بصورة سلبية عن الممارسة السياسية وعن قدرة الفاعلين السياسيين على الاستجابة للانتظارات المجتمعية.

واعتبر أن هذا الوضع ساهم في انتقال جزء من النقاشات الاجتماعية والسياسية إلى الفضاءات العمومية ومنصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت مجالاً مهماً لتبادل الآراء ومناقشة القضايا العامة.

الأحزاب والتنسيقيات.. تحولات في أشكال التعبير السياسي والاجتماعي

وفي ما يتعلق بدور الأحزاب السياسية، أشار البكاري إلى أن الديناميات الاجتماعية التي عرفها المغرب خلال العقدين الأخيرين، سواء في سيدي إفني أو الريف أو جرادة أو أيت بوكماز، أو تلك المرتبطة بقضايا الصحة والسكن والتدبير المفوض والعطش، إلى جانب الحركات الفئوية مثل تنسيقيات الأساتذة وطلبة الطب والمحامين، تكشف تحولات مهمة في أشكال التعبير والتنظيم المجتمعي.

وأضاف أن عددا من هذه الحركات ينظر بتحفظ إلى الأحزاب والنقابات بسبب التخوف من توظيف المطالب الاجتماعية ضمن التجاذبات السياسية، وهو ما ساهم في بروز التنسيقيات كصيغ جديدة للتنظيم والتعبئة.

وفي المقابل، يرى البكاري أن هذه الديناميات الاجتماعية الجديدة، رغم أهميتها، لم تفرز بعد تعبيرا سياسيا منظما وموحدا، كما أن الأحزاب التي تحتفظ بحضور داخل المجتمع لم تنجح، وفق تقديره، في بناء حضور مؤثر داخل هذه الحركات، بسبب استمرار اعتمادها على أدوات تنظيمية تقليدية لم تعد كافية للتفاعل مع التحولات الاجتماعية القائمة.

كما اعتبر أن النقاش حول الوساطة السياسية يكشف بدوره حدود الأدوار التي تؤديها الأحزاب، موضحا أن وظيفتها الأساسية تتمثل في التنافس على تدبير الشأن العام والمساهمة في ممارسة المسؤولية السياسية، بينما تضطلع مؤسسات أخرى داخل الدولة والمجتمع المدني بأدوار الوساطة والتأطير.

انتخابات 2026 واستعادة الثقة في المؤسسات

وبخصوص العلاقة بين الحريات العامة والعملية الانتخابية، يرى البكاري أن النقاش الأساسي يتعلق بمدى قدرة الانتخابات على تعزيز الثقة في المؤسسات التمثيلية وعلى تطوير آليات المساءلة والمحاسبة، بما ينسجم مع تطلعات المواطنين إلى مشاركة سياسية أكثر فعالية.

وأضاف أن الانتخابات، وفق قراءته، ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بمدى انعكاس نتائجها على موازين تدبير الشأن العام وعلى أدوار المؤسسات المنتخبة، وهو ما يطرح تساؤلات متكررة حول فعاليتها في تجديد النخب السياسية وتعزيز الثقة في العمل التمثيلي.

كما أشار إلى أن أغلب الأحزاب السياسية لا تضع قضايا الحقوق والحريات بالدرجة نفسها ضمن أولوياتها وبرامجها السياسية، باستثناء بعض التجارب التي تمنح هذه الملفات مكانة أكبر ضمن تصوراتها العامة.

وعن آفاق انتخابات 2026، استبعد البكاري أن تكون الانتخابات وحدها كافية لإحداث تحول نوعي في العلاقة بين المواطنين ومؤسسات التمثيل، معتبرا أن التحولات السياسية الكبرى ترتبط عادة بتطور موازين التفاعل بين مختلف الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين والمجتمعيين.

وأضاف أن المشهد السياسي المغربي ما يزال يواجه تحديات على مستوى التمثيلية والأداء الحزبي والتعبير السياسي عن المطالب الاجتماعية، في وقت لم تتمكن فيه الديناميات الاجتماعية القائمة من بلورة إطار سياسي موحد يعبر عنها بشكل منظم.

واستحضر في هذا السياق تجربة حركة 20 فبراير، معتبرا أنها شكلت محطة مهمة في النقاش العمومي حول الإصلاح السياسي، غير أن مخرجاتها أظهرت، وفق قراءته، أهمية وجود فاعلين سياسيين منظمين وقادرين على تحويل المطالب المجتمعية إلى مشاريع وبرامج إصلاحية مستدامة.

وختم البكاري بالقول إن عددا من المبادرات والإصلاحات الكبرى التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، سواء المرتبطة بالنموذج التنموي الجديد أو مشروع الحكم الذاتي أو السياسات الترابية والتنموية، جاءت في سياق مؤسساتي خاص، معتبرا أن النقاش حول تطوير الحياة السياسية وتعزيز الثقة في المؤسسات التمثيلية سيظل مطروحا خلال المرحلة المقبلة، وأن الحديث عن تعاقد سياسي جديد يظل مرتبطا بتطور موازين التفاعل بين مختلف الفاعلين داخل المشهد السياسي المغربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى