إيمان رايس: المقارنات والعتاب يضاعفان قلق تلاميذ الاستدراكية ويقللان فرص نجاحهم (حوار)

أميمة حدري

لم تعد الدورة الاستدراكية مجرد موعد ثان لاجتياز امتحان البكالوريا، بل تحولت بالنسبة إلى عدد كبير من التلاميذ إلى اختبار نفسي حقيقي، تتقاطع فيه مشاعر الإحباط مع الخوف من تكرار الإخفاق، وتتداخل فيه ضغوط الأسرة مع هواجس المستقبل. وبين الرغبة في التعويض والقلق من نظرة المحيط، يجد كثير من المترشحين أنفسهم في مواجهة معركة لا تقتصر على استرجاع الدروس، بل تمتد إلى استعادة الثقة بالنفس والقدرة على تجاوز الصدمة.

وفي هذا الحوار مع “إعلام تيفي“، تشرح الأخصائية النفسية الإكلينيكية إيمان رايس الفني، كيف يمكن للتلاميذ تحويل هذه المرحلة من مصدر للتوتر إلى فرصة حقيقية للنجاح، وتسلط الضوء على مسؤولية الأسرة والمدرسة في توفير الدعم النفسي، كما تقدم مجموعة من التوجيهات العملية التي تساعد المترشحين على اجتياز الدورة الاستدراكية بأكبر قدر من الهدوء والثقة.

بداية، كيف يمكن للتلميذ تجاوز صدمة الرسوب في الدورة العادية والاستعداد للدورة الاستدراكية بشكل متوازن؟

لا شك أن عدم النجاح في الدورة العادية يعد بالنسبة إلى كثير من التلاميذ صدمة نفسية مؤلمة، إذ تمتزج فيها مشاعر خيبة الأمل بالإحباط والخوف من المستقبل. غير أن أهم خطوة لتجاوز هذه المرحلة تتمثل في تقبل النتيجة باعتبارها محطة عابرة وليست حكما نهائيا على قدرات التلميذ. فمن الطبيعي أن يشعر بالحزن، لكن من غير الصحي أن يتحول ذلك إلى جلد للذات أو فقدان للثقة بالنفس.

بعد استيعاب الصدمة، ينبغي الانتقال من رد الفعل العاطفي إلى التفكير العقلاني، عبر تحليل أسباب التعثر بموضوعية: هل كان الخلل في استيعاب المقرر؟ أم في تدبير زمن الامتحان؟ أم في طريقة المراجعة؟ هذا التشخيص يسمح بوضع خطة مراجعة واقعية، تركز على سد الثغرات والمواد الأكثر تأثيرا في المعدل، بدل استنزاف الوقت في إعادة مراجعة كل شيء.

وفي المقابل، لا ينبغي إغفال الجانب الصحي، لأن النوم الكافي والتغذية المتوازنة والراحة النفسية عناصر لا تقل أهمية عن المراجعة، فالعقل المرهق يصعب عليه استرجاع المعلومات مهما كانت ساعات الدراسة طويلة.

كيف تفسرون تحول الدورة الاستدراكية لدى عدد من التلاميذ من “فرصة ثانية” إلى مصدر إضافي للقلق والخوف داخل الأسرة والمحيط الاجتماعي؟

من الناحية البيداغوجية، وجدت الدورة الاستدراكية لتمنح التلميذ فرصة جديدة لتدارك تعثره، غير أنها تتحول لدى كثيرين إلى مصدر ضغط مضاعف، لأنهم لا يواجهون الامتحان وحده، بل يواجهون أيضا نظرة المجتمع والأسرة والأقارب.

فالتلميذ الذي لم ينجح في الدورة الأولى يشعر غالبا بأنه أصبح محط مقارنة مع أصدقائه الذين اجتازوا الامتحان بنجاح، ويخشى أن ينظر إليه باعتباره أقل كفاءة أو أنه “أخفق”. هذا الإحساس يرفع من منسوب القلق ويجعله يعيش تحت هاجس واحد: ماذا لو لم أنجح مرة أخرى؟

وعندما يهيمن هذا الخوف على التفكير، تتراجع القدرة على التركيز واستحضار المعارف، فيتحول الامتحان من فرصة للتصحيح إلى عبء نفسي ثقيل، بينما الأصل أن يكون محطة تمنح التلميذ إمكانية استعادة توازنه وإثبات قدراته.

إلى أي حد تتحمل الأسرة والمدرسة مسؤولية الهشاشة النفسية التي يعيشها بعض المترشحين بعد إعلان نتائج الدورة العادية؟

أعتقد أن المقاربة الأكثر إنصافا لا تقوم على البحث عن طرف مسؤول، بل على النظر إلى الأسرة والمدرسة باعتبارهما منظومة واحدة تؤثر في التلميذ.

فالمدرسة تضطلع بدورها الأساسي في نقل المعارف وإعداد المتعلم أكاديميا، لكن الامتحانات الإشهادية لا تقيس المعرفة وحدها، بل تختبر أيضا القدرة على تدبير الضغط والانفعالات، وهي مهارات ما تزال بحاجة إلى حضور أقوى داخل المنظومة التربوية من خلال برامج المواكبة النفسية وتنمية المهارات الحياتية.

وفي المقابل، تتحرك الأسرة بدافع الحب والخوف على مستقبل أبنائها، إلا أن هذا الحرص قد يتحول، دون وعي، إلى ضغط نفسي عندما ترتفع سقوف التوقعات أو تتكرر المقارنات والعتاب. فيجد التلميذ نفسه لا يخشى الرسوب فقط، بل يخشى أيضا أن يخيب ظن والديه.

لذلك، فإن المطلوب اليوم هو بناء شراكة حقيقية بين الأسرة والمؤسسة التعليمية، يكون فيها الدعم النفسي مكملاً للدعم الدراسي، حتى يمتلك التلميذ أدوات التعامل مع النجاح والإخفاق على حد سواء.

ما أبرز الأخطاء التي يقع فيها التلاميذ وأسرهم خلال الفترة الفاصلة عن الدورة الاستدراكية، وكيف يمكن تفاديها؟

أعتقد أن أهم ما ينبغي أن يدركه التلميذ هو أن الدورة الاستدراكية ليست دليلا على الفشل، بل فرصة حقيقية لتصحيح المسار، أو إذا صح التعبير “مباراة إياب” يدخلها وهو يمتلك معطى لم يكن متوفرا في المحاولة الأولى، وهو معرفة نقاط قوته ومواطن ضعفه. لذلك، فإن أول خطوة هي تغيير طريقة التفكير في هذه المحطة، والتوقف عن التعامل معها باعتبارها امتحان الفرصة الأخيرة.

ومن الناحية العملية، أنصح التلميذ بالابتعاد عن الانشغال بالنتيجة النهائية أو الخوف من الرسوب، والتركيز بدلا من ذلك على إنجاز مهام صغيرة ومتدرجة؛ كإتقان وحدة دراسية، أو حل مجموعة من التمارين، أو تحسين منهجية الإجابة. هذه التقنية تقلل من القلق وتساعد على رفع مستوى التركيز والإنتاجية.

كما أحذر من اللجوء إلى المراجعة المكثفة في الساعات الأخيرة، لأن الإرهاق لا يزيد من فرص النجاح، بل يضعف الذاكرة والتركيز. فالنوم المنتظم، الذي يتراوح بين سبع وثماني ساعات، إلى جانب التغذية المتوازنة وأخذ فترات راحة، كلها عوامل أساسية تساعد الدماغ على تثبيت المعلومات واسترجاعها أثناء الامتحان.

أما بالنسبة إلى الأسر، فإن أكبر دعم يمكن أن تقدمه لأبنائها هو توفير شعور حقيقي بالأمان النفسي. يحتاج التلميذ إلى أن يدرك أن محبة أسرته وتقديرها له لا يرتبطان بنتيجة امتحان، وأن قيمته لا تختزل في نقطة أو معدل. هذا الدعم غير المشروط يخفف من “قلق إرضاء الآخرين”، ويمنحه قدرا أكبر من الهدوء والثقة.

كما أنصح أولياء الأمور بتوفير أجواء منزلية هادئة، والابتعاد عن اللوم المتكرر أو المقارنات مع الأقران أو النقاش المستمر حول الامتحان، لأن القلق ينتقل بسهولة من الآباء إلى الأبناء، فيؤثر سلبا في تركيزهم.

وفي تقديري، فإن الأسرة مطالبة بالتركيز على المسار أكثر من النتيجة؛ أي تشجيع التلميذ على احترام برنامج المراجعة والانضباط اليومي، والثناء على الجهد المبذول، بدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن المعدل المتوقع.

وفي النهاية، فإن اجتياز هذه المرحلة بنجاح لا يتوقف على كمية المعلومات التي يحفظها التلميذ فحسب، بل يتطلب أيضا مناخا نفسيا آمنا يسمح له باستعادة ثقته بنفسه، وتوظيف قدراته كاملة يوم الامتحان.

ختاما، ما النصائح التي توجهونها للتلاميذ وأسرهم قبل اجتياز الدورة الاستدراكية؟

أوجه أولا رسالة إلى التلاميذ مفادها أن الدورة الاستدراكية ليست دليلا على الفشل، بل هي فرصة قانونية وتربوية حقيقية تمنحهم إمكانية تصحيح المسار. لذلك، من الأفضل عدم الانشغال بالنتيجة النهائية، بل التركيز على الإنجاز اليومي؛ مراجعة درس، أو حل تمرين، أو استيعاب محور معين. تقسيم الهدف الكبير إلى خطوات صغيرة يجعل القلق أقل، ويرفع من مستوى التركيز.

كما أنصح بتجنب المراجعة المرهقة لساعات طويلة دون راحة، لأن الدماغ يحتاج إلى النوم المنتظم لتثبيت المعلومات واسترجاعها بكفاءة أثناء الامتحان.

أما بالنسبة إلى الأسر، فأهم ما يمكن أن تقدمه لأبنائها هو الشعور بالأمان النفسي. يحتاج التلميذ إلى أن يسمع بوضوح أن قيمته لا ترتبط بنتيجة امتحان، وأن دعم أسرته له ثابت مهما كانت النتيجة. هذه الرسالة وحدها تخفف جانبا كبيرا من الضغط الذي يرافقه.

ومن المهم أيضا توفير أجواء هادئة داخل المنزل، والابتعاد عن المقارنات أو اللوم المستمر أو تضخيم الامتحان، لأن التوتر ينتقل بسهولة من الآباء إلى الأبناء. فكلما شعر التلميذ بالطمأنينة، ازدادت قدرته على استثمار معارفه والتركيز أثناء الامتحان.

وفي النهاية، فإن النجاح في الدورة الاستدراكية لا يعتمد فقط على حجم المعلومات التي يراجعها التلميذ، بل يرتبط أيضا بمدى استقراره النفسي وثقته في نفسه. وعندما يتوفر هذان الشرطان، تصبح فرصة النجاح أقرب بكثير مما يتصور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى