مراكز الاتصال..ثورة الذكاء الاصطناعي جارية التفعيل

بشرى عطوشي

تقرير _ من غير المرجح أن يُنهي الذكاء الاصطناعي دور مراكز الاتصال، بل يُشير إلى بداية تحوّل جذري في هذا القطاع، بحيث لم يعد التحدي الذي يواجه المغرب هو ما إذا كانت هذه الثورة ستحدث، بل كيفية توظيفها لتحقيق النمو والتنافسية وخلق القيمة في السنوات القادمة.

لطالما اعتمد قطاع مراكز الاتصال على قوة عاملة ماهرة، ناطقة بالفرنسية، وقادرة على المنافسة، ما جعله ركيزة أساسية في مجال ترحيل الخدمات، لكن ظهور الذكاء الاصطناعي يفتح الآن فصلاً جديداً. فبرامج الدردشة الآلية، والمساعدون الصوتيون، وتحليل المحادثات الآلي، وتوليد الردود الفورية، تُحدث تحولاً تدريجياً في إدارة علاقات العملاء.

بالنسبة للمغرب، هذا ليس بالأمر الهين، فبحسب وزارة التحول الرقمي، وفّر قطاع ترحيل الخدمات نحو 148,500 وظيفة مستقرة بنهاية عام 2024، وساهم في تحقيق صادرات بقيمة 26.22 مليار درهم.

تهدف المملكة إلى الوصول إلى 270 ألف وظيفة بحلول عام 2030. وفي هذا السياق، يطرح صعود الذكاء الاصطناعي تساؤلاً هاماً، هل تُشكل هذه التقنية تهديداً للوظائف أم فرصة لتسريع تطوير القطاع؟

ثورةٌ جارية

يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في طريقة تفاعل الشركات مع عملائها. فعلى عكس موجات الأتمتة (التشغيل الآلي) السابقة، تتميز الأدوات الجديدة بقدرتها على فهم اللغة الطبيعية، وتوليد ردود مناسبة، وتلخيص المحادثات، بل ومساعدة الموظفين في الوقت الفعلي.

في مراكز خدمة العملاء الأكثر تطوراً، يُمكن للذكاء الاصطناعي الآن اقتراح ردود أثناء المكالمة، وتوليد ملخصات تلقائية لها، وتحليل نبرة العميل ومشاعره لمساعدة الموظفين على تكييف أسلوبهم، بل إن بعض الحلول تُتيح الترجمة الفورية للمحادثات أو معالجة طلبات متعددة في آنٍ واحد. وقد شرعت كبرى الشركات في هذا القطاع في هذا التحول. وتستثمر شركة TP (المعروفة سابقاً باسم Teleperformance)، الرائدة في إدارة علاقات العملاء الخارجية، بكثافة في الذكاء الاصطناعي لتحسين إنتاجية عملياتها وجودة خدماتها.

يرى توماس ماكينبروك، نائب الرئيس التنفيذي لشركة TP، أن هذا التطور لا يعني زوال العنصر البشري، فقد أوضح مؤخرًا أن “العمل البشري باقٍ، لكنّ الذكاء الاصطناعي كشريك عمل أمرٌ لا مفر منه تقريبًا”، كما يعتقد أن مستقبل القطاع سيعتمد على التكامل بين الموظفين والتقنيات الجديدة. ويؤكد: “رؤيتنا لا تتمثل في وضع البشر في مواجهة الآلات، بل في تعزيز الأداء البشري من خلال الذكاء الاصطناعي”،هذا النهج بات شائعًا في القطاع، فبالنسبة للعديد من الشركات، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز قدرات الموظفين أكثر من كونه بديلًا كاملًا.

الوظائف مُرشحة للتطور

مع ذلك، ثمة مخاوف حقيقية. فالمهام الأكثر تكرارًا هي من أوائل ما سيتأثر بالأتمتة (التشغيل الآلي)، فالطلبات البسيطة، والعمليات المعيارية، وحتى بعض أنشطة الدعم من المستوى الأول، يُمكن الآن إنجازها بواسطة روبوتات المحادثة.

قد يكون لهذا التطور تداعيات كبيرة على تنظيم العمل. تسعى الشركات إلى زيادة الإنتاجية مع تلبية الطلب المتزايد على توافر الخدمات وتخصيصها في الوقت نفسه. مع ذلك، يُظهر تاريخ الثورات التكنولوجية أن الوظائف لا تختفي بالضرورة، بل تتحول. مع تزايد إسناد المهام البسيطة إلى الآلات، تزداد حاجة الشركات إلى متخصصين قادرين على إدارة المواقف المعقدة، وتقديم الخبرة المتخصصة في القطاع، أو التعامل مع التفاعلات التي تتطلب التعاطف والحكمة الإنسانية.

في الوقت نفسه، بدأت تظهر مهن جديدة، إذ تقوم الشركات بتوظيف متخصصين قادرين على الإشراف على الأنظمة الافتراضية، وتحليل تفاعلات العملاء، وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وضمان جودة الاستجابات المُولّدة تلقائيًا.

بالنسبة للمغرب، لا يقتصر الأمر على مجرد خلق فرص عمل، بل يشمل أيضًا الحفاظ على القدرة التنافسية لقطاع يُعدّ من أهم محركات صادرات الخدمات.

صحيح أن المخاطر حقيقية بالنسبة للأنشطة الأكثر نمطية، إلا أن الذكاء الاصطناعي يفتح أيضًا آفاقًا جديدة.

ومن المتوقع استمرار الخدمات ذات القيمة العالية، مثل الدعم الفني المتقدم، والخدمات المالية، والأمن السيبراني، وتحليلات البيانات.

سيشهد هذا القطاع تطوراً خلال السنوات القادمة، إلا أن هذا التحول يتطلب استثماراً كبيراً في التدريب، إذ لم تعد مهارات اللغة وحدها كافية. وستحتاج الشركات إلى موظفين قادرين على التفاعل بفعالية مع أدوات الذكاء الاصطناعي، وتفسير البيانات المُنتجة، وتقديم خبرات لا تستطيع الآلات محاكاتها.

لذا، يكمن التحدي الحقيقي أمام المغرب في دعم هذا التحول، للانتقال تدريجياً من نموذج يركز على حجم المكالمات إلى نموذج أكثر توجهاً نحو الخبرة والخدمات ذات القيمة المضافة العالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى