سرقة الكهرباء.. أزمة مواطنة ورهان سيادة اقتصادية

بشرى عطوشي
تحليل _ تحوّلت حملات محاربة سرقة الكهرباء في المغرب من مجرد عمليات ميدانية لضبط الربط العشوائي بالشبكة الوطنية، إلى لحظة كاشفة لاختلالات عميقة تراكمت على مدى سنوات. فهي مناسبة لإعادة طرح أسئلة جوهرية حول علاقة المواطن بالمرفق العمومي، وحدود المسؤولية الأخلاقية في استهلاك الموارد الجماعية، ودور الدولة في حماية القطاعات الاستراتيجية. والأخطر أن الظاهرة لم تعد حكراً على الفئات الهشة، بل امتدت إلى أنشطة اقتصادية مدرّة للأرباح بالملايين.
اعتداء على المال العام لا مجرد مخالفة تقنية
الكهرباء ليست سلعة مجانية تمنحها الطبيعة دون مقابل، بل هي نتاج استثمارات ضخمة في الإنتاج والنقل والتوزيع والصيانة والتجديد المستمر للبنيات التحتية. وكل كيلوواط يُستهلك خارج دائرة الأداء القانوني لا يمثل مجرد مخالفة تقنية، بل يشكّل اعتداءً مباشراً على المال العام وعلى مبدأ العدالة بين المواطنين.
فحين يستهلك البعض الطاقة دون أداء مستحقاتها، فإنهم ينقلون تكلفة استهلاكهم إلى المشتركين الملتزمين وإلى خزينة الدولة التي تجد نفسها مضطرة إلى تحمّل جزء من الخسائر. وقد ساهم التساهل الطويل مع هذه الظاهرة في ترسيخ ثقافة خطيرة قوامها اعتبار الكهرباء حقاً مجانياً يمكن الحصول عليه بوسائل التحايل أو الربط السري، وهي ثقافة لا تختلف في جوهرها عن أي شكل من أشكال الاستيلاء غير المشروع على الممتلكات العامة.
من هروب من الفقر إلى أداة لتعظيم الأرباح
الأخطر في هذا الملف أن الظاهرة لم تعد حكراً على بعض الفئات الهشة أو المناطق الهامشية، بل امتدت في حالات عديدة إلى أنشطة اقتصادية مدرّة للأرباح. فقد تحولت سرقة الكهرباء من وسيلة للهروب من الفقر إلى وسيلة لزيادة الأرباح وتقليص تكاليف الإنتاج.
وتطرح هذه المعطيات أسئلة محرجة حول بعض الأنشطة الفلاحية الكبرى التي تستهلك كميات هائلة من الطاقة في تشغيل أنظمة الضخ والسقي والتبريد والتحويل. فكيف يمكن لمشاريع تحقق مداخيل بملايين الدراهم أن تواصل البحث عن وسائل للتهرب من أداء فواتير الطاقة؟ وكيف يمكن الحديث عن المنافسة الشريفة أو العدالة الاقتصادية في ظل وجود فاعلين يحققون جزءاً من أرباحهم عبر التهرب من أحد أهم عناصر التكلفة الإنتاجية؟
مفارقة التدبير المفوض: صمت الخسارة وتراكم الاختلال
تكشف الحملة الحالية عن مفارقة تستحق التأمل. فخلال عقود من التدبير المفوض الذي أسندت فيه خدمات التوزيع إلى شركات أجنبية أو خاصة، ظلت ظاهرة سرقة الكهرباء تتوسع بصمت وتتحول إلى واقع مألوف في عدد من المناطق.
ويفسّر ذلك منطقُ الربح والخسارة الذي يحكم الشركات الخاصة، إذ كانت معالجة الظاهرة بشكل جذري تتطلب استثمارات كبيرة ومواجهات اجتماعية مكلفة، مما جعل بعض المتدخلين يُفضّلون التعايش مع المشكلة بدل اجتثاثها. وهكذا تراكم الاختلال سنةً بعد سنة، حتى غدا جزءاً من المشهد اليومي في مناطق عديدة.
الشركات الجهوية: إرادة مؤسساتية لاستعادة هيبة القانون
مع انتقال تدبير القطاع إلى الشركات الجهوية متعددة الخدمات تحت إشراف الدولة، بدأت ملامح مقاربة مختلفة في الظهور. فالحملات الواسعة التي انطلقت في عدد من الجهات لا تستهدف فقط استرجاع مستحقات مالية ضائعة، بل تعكس إرادة مؤسساتية لإعادة فرض هيبة القانون وحماية مرفق حيوي يمسّ الأمن الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.
وتشير النتائج الأولية لهذه العمليات إلى أن الدولة، عندما تتوفر لها الإرادة والوسائل وآليات الحكامة والمراقبة، قادرة على معالجة اختلالات ظلت لسنوات تُقدَّم باعتبارها قدراً لا يمكن تجاوزه. وهو ما يُعيد إحياء النقاش حول دور الدولة في القطاعات الاستراتيجية، ويُثبت أن التدبير العمومي، متى اقترن بالحكامة والنجاعة والرقابة الصارمة، قادر على تحقيق نتائج ملموسة.
ما بعد الحملات: استثمار في المستقبل لا مجرد زجر
غير أن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن نجاح هذه الحملات لا يمكن أن يقتصر على المقاربة الزجرية وحدها. فالطلب الوطني على الطاقة يشهد نمواً متسارعاً بفعل التوسع الحضري والصناعي والفلاحي، مما يفرض استثمارات متواصلة في تقوية الشبكات الكهربائية وتوسيع قدراتها الاستيعابية وتحديث المحولات وأنظمة المراقبة والتدخل.
كما أن الانتقال نحو العدادات الذكية وتعميم الرقمنة واعتماد تقنيات الرصد الفوري للاختلالات أصبح ضرورة استراتيجية لا مجرد خيار تقني. وفي هذا الإطار، فإن كل درهم يُوفَّر من محاربة الاختلاس يجب أن يتحول إلى استثمار جديد في تطوير الشبكات وتحسين جودة الخدمة، لأن المعركة الحقيقية تكمن في بناء منظومة طاقية حديثة قادرة على الاستجابة لاحتياجات المغرب المستقبلية.
الرهان الحقيقي: نموذج جديد للمواطنة الاقتصادية
في النهاية، لا تختزل قضية سرقة الكهرباء في بعدها التقني أو المالي فحسب، بل تمثل اختباراً حقيقياً لمستوى الوعي الجماعي ولطبيعة العلاقة بين المواطن والدولة. فالدول القوية لا تُبنى فقط بالمشاريع الكبرى والاستثمارات الضخمة، وإنما تُبنى أيضاً بثقافة احترام القانون وصيانة الممتلكات المشتركة وتحمّل كل فرد لنصيبه من المسؤولية.
والرهان المطروح اليوم أمام المغرب لا يتمثل فقط في استرجاع الكهرباء المسروقة، بل في ترسيخ نموذج جديد للمواطنة الاقتصادية يقوم على التوازن بين الحقوق والواجبات، وبين قوة الدولة وفعالية مؤسساتها، وبين حق المواطن في خدمة عمومية ذات جودة وواجبه في المساهمة العادلة في تمويلها. فحين تنتصر ثقافة المسؤولية على ثقافة التحايل، يتحول قطاع الكهرباء من مصدر للنزيف والخسائر إلى رافعة حقيقية للتنمية والسيادة الاقتصادية.





