
حسين العياشي
خبر_تحوّلت المشاركة التي كان يُفترض أن تشكل واجهة مشرقة للصناعة التقليدية المغربية في معرض نيوجيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية، إلى ملف يثير أسئلة ثقيلة حول طريقة تدبير المال العام، بعدما فجّرت شكايات متطابقة، توصلت بها “إعلام تيفي” من عدد من الصناع التقليديين المشاركين، معطيات تضع غرفة الصناعة التقليدية لجهة الرباط سلا القنيطرة أمام امتحان الشفافية، وتفتح الباب أمام مطالب بكشف الكلفة الحقيقية لهذه المهمة، وكيفية صرف الاعتمادات المرصودة لها.
فبدلاً من أن يعود الحرفيون بانطباعات توثق نجاح التظاهرة وما أتاحته من فرص للتعريف بالمنتوج المغربي وفتح آفاق جديدة أمامه، عادوا، بحسب إفادات متطابقة توصلت بها “إعلام تيفي” برواية مختلفة تماما؛ رواية تتحدث عن ظروف إقامة وصفوها بأنها لا تليق بوفد يمثل المغرب، وعن معاملة قالوا إنها لا تنسجم مع المكانة التي يفترض أن يحظى بها من يحمل صورة الصناعة التقليدية الوطنية إلى المحافل الدولية.
وتفيد الشكايات بأن أولى المفاجآت بدأت داخل الفندق الذي خُصص لإقامة الوفد، حيث وجد عدد من الصناع التقليديين أنفسهم، وفق روايتهم، مضطرين إلى تقاسم غرفة واحدة تضم خمسة أشخاص. ويؤكد أصحاب الشكايات أن هذا الوضع لا ينسجم مع طبيعة مهمة رسمية تمول من المال العام، ولا مع الحد الأدنى من شروط الكرامة والراحة التي يفترض توفيرها لممثلين اختيروا للترويج لواحد من أهم روافد الهوية الاقتصادية والثقافية للمغرب.
ولم تتوقف الملاحظات عند حدود الإقامة، إذ تحدث المشاركون عن وجبات غذائية وصفوها بالمتواضعة، مؤكدين أن بعضهم اضطر إلى الإنفاق من ماله الخاص لتأمين احتياجاته الأساسية، بعدما وجد أن مستوى الخدمات المقدمة لا يعكس حجم التطلعات التي صاحبت المشاركة، ولا الصورة التي كان ينتظرها من بعثة رسمية تشرف عليها مؤسسة منتخبة.
وفي المقابل، يزعم المشتكون أن مدير غرفة الصناعة التقليدية بجهة الرباط سلا القنيطرة، وعددا من المقربين منه أقاموا في فندق أكثر رفاهية، واستفادوا من ظروف مختلفة كليا عن تلك التي عاشها باقي أعضاء الوفد. وهي معطيات تطرح سؤالا لا يتعلق بالفوارق في الإقامة بقدر ما يمس جوهر المساواة في الاستفادة من الاعتمادات العمومية، ويعيد إلى الواجهة إشكالية ازدواجية المعايير داخل المهام الرسمية.
غير أن أكثر الوقائع إثارة للتساؤل، وفق تصريح المشاركين، لم يكن مرتبطا بالفنادق أو الوجبات، وإنما بما حدث عند انتهاء المهمة. إذ يؤكد عدد منهم أنهم طُلب منهم التوقيع على وثائق تفيد باستفادتهم من جميع الخدمات التي وفرتها الغرفة، رغم تأكيدهم أنهم لم يحصلوا على جزء منها. ويضيف أصحاب هذه الإفادات أن الامتناع عن التوقيع لم يكن خيارا عمليا، بعدما قيل لهم، بحسب إفادتهم، إن رفض ذلك قد يحرمهم من المشاركة في التظاهرات الدولية المقبلة، وهو ما دفعهم إلى التوقيع تحت وطأة الخوف من الإقصاء.
وتبقى هذه الادعاءات تفتح الباب أمام جملة من الأسئلة التي يصعب تجاوزها. فإذا كانت اعتمادات مالية قد خُصصت لتغطية الإقامة والطعام والخدمات اللوجستية، فأين صُرفت بالتحديد؟ وهل تعكس الفواتير والمصاريف الفعلية مستوى الخدمات التي يتحدث عنها المشاركون؟ ثم هل احترمت عملية تدبير هذه المهمة مبدأ المساواة بين جميع أعضاء الوفد، أم أن المال العام وُزّع وفق معايير مختلفة؟
فالرهان هنا لا يتعلق بعدد الأسرة داخل غرفة أو بنوعية وجبة غذائية، وإنما بطريقة تدبير اعتمادات عمومية رُصدت باسم الترويج للصناعة التقليدية المغربية خارج الحدود. وعندما يكون مصدر التمويل هو المال العام، فإن كل نفقة تصبح مطالبة بما يبررها، وكل خدمة يفترض أن تجد ترجمتها على أرض الواقع، لا أن تبقى مجرد بيانات مثبتة على أوراق أو تواقيع لا تعكس حقيقة ما جرى.
وفي هذا الصدد، تواصلت “إعلام تيفي” مع رئيس غرفة الصناعة التقليدية لجهة الرباط سلا القنيطرة، عبد الرحيم الزمزامي، الذي أكد أن مدير الغرفة سيوافيها بجميع الوثائق المالية المتعلقة بهذه المشاركة، بما في ذلك تفاصيل الغلاف المالي وأوجه صرفه. وتؤكد “اعلام تيفي” أنها ستنشر تلك الوثائق كاملة فور التوصل بها، كما ستفسح المجال لنشر أي توضيحات أو معطيات إضافية تقدمها الغرفة، التزاماً بحق الرأي والرأي الآخر.
ويبقى السؤال معلقا إلى حين ظهور الوثائق: هل كانت رحلة نيوجيرسي بالفعل محطة للتعريف بالصناعة التقليدية المغربية وتعزيز حضورها في الأسواق الدولية، أم أنها ستتحول إلى ملف جديد يختبر مدى احترام المؤسسات العمومية لمبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة؟ ذلك سؤال لن تحسمه التصريحات، بل ستجيب عنه الوثائق، إذا خرجت إلى العلن كاملة، دون انتقاء أو تجزيء.





