
أميمة حدري
عادت شركة “سنطرال دانون” إلى واجهة النقاش العمومي في المغرب، بعد تصاعد دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مقاطعة منتجاتها، على خلفية الزيادات التي طالت عددا من منتجاتها، في تطور أعاد إلى الأذهان حملة المقاطعة الواسعة التي شهدتها المملكة سنة 2018، والتي شكلت واحدة من أبرز المحطات في تاريخ الاحتجاج الاستهلاكي، بعدما خلفت تداعيات اقتصادية كبيرة على الشركة وأثارت نقاشا واسعا حول الأسعار والقدرة الشرائية.
وانتشرت خلال الأيام الأخيرة دعوات تدعو إلى الامتناع عن اقتناء منتجات “سنطرال دانون”، بعدما جرى تداول معطيات تفيد بتوصل عدد من أصحاب محلات القرب بلوائح أسعار جديدة تخص بعض منتجات الشركة، وهو ما أثار ردود فعل واسعة في صفوف المستهلكين، الذين اعتبر عدد منهم أن الزيادات الجديدة تأتي في ظرفية لا تزال تتسم باستمرار الضغوط المعيشية وارتفاع أسعار عدد من المواد والخدمات.
وربط عدد من النشطاء هذه الزيادات بتراجع القدرة الشرائية للأسر المغربية، معتبرين أن المستهلك أصبح أكثر حساسية تجاه أي زيادة تطال المنتجات الأساسية، فيما رأى آخرون أن المقاطعة تمثل وسيلة للتعبير عن رفض ارتفاع الأسعار والضغط على الشركات من أجل مراجعة سياساتها التسويقية، في انتظار صدور توضيحات رسمية من الشركة بشأن أسباب الزيادات الأخيرة ومدى ارتباطها بارتفاع تكاليف الإنتاج أو بعوامل اقتصادية أخرى.
وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة تجربة سنة 2018، حين انطلقت حملة مقاطعة واسعة استهدفت عددا من العلامات التجارية، من بينها “سنطرال دانون”، قبل أن تتحول إلى واحدة من أكبر حملات المقاطعة الاستهلاكية التي عرفها المغرب، بعدما شهدت تفاعلا واسعا عبر منصات التواصل الاجتماعي، وانعكست بشكل مباشر على أداء الشركة داخل السوق الوطنية.
وخلال تلك الفترة، أعلنت “سنطرال دانون” أنها فقدت أكثر من نصف حصتها في سوق الحليب الطازج، بينما أكدت المجموعة الفرنسية “دانون” أن مبيعات فرعها بالمغرب تراجعت بنحو 40 في المائة خلال الربع الثاني من سنة 2018، وهو ما أثر على نمو إيرادات المجموعة، التي أقرت بأن حملة المقاطعة كان لها انعكاس مباشر على نتائجها المالية خلال تلك السنة، مع توقع استمرار تأثيرها خلال النصف الثاني من العام.
ودفعت الأزمة إدارة المجموعة الفرنسية إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات لاحتواء تداعيات المقاطعة، كان أبرزها الزيارة التي قام بها المدير التنفيذي للمجموعة آنذاك، إيمانويل فابر، إلى المغرب، حيث عقد لقاءات مع مستهلكين وشباب وفلاحين وأرباب محلات تجارية وعمال الشركة، في محاولة لفهم أسباب الأزمة والاستماع إلى مطالب مختلف الأطراف.
كما أعلنت “سنطرال دانون” خلال تلك المرحلة عن تقليص كميات الحليب التي تجمعها من آلاف الفلاحين، إلى جانب تقليص عدد مناصب الشغل المؤقتة، في خطوة عكست حجم التأثير الذي خلفته المقاطعة على نشاطها، بينما أكدت المجموعة الفرنسية في المقابل أنها تعمل على تجاوز تداعيات الأزمة واستعادة ثقة المستهلك المغربي.
ويأتي تجدد الدعوات إلى المقاطعة في سياق يتواصل فيه الجدل حول القدرة الشرائية للأسر المغربية، مع استمرار ارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية والخدمات، وهو ما يجعل أي زيادة جديدة في أسعار المنتجات واسعة الاستهلاك محل متابعة واسعة وتفاعل كبير من قبل الرأي العام، ويعيد إلى الواجهة النقاش بشأن التوازن بين متطلبات المقاولات الاقتصادية والحفاظ على القدرة الشرائية للمستهلكين.
ورغم استحضار تجربة سنة 2018 في النقاش الدائر حاليا، فإن مآلات الدعوات الجديدة إلى المقاطعة تبقى رهينة بمدى اتساع نطاق التفاعل معها خلال الأيام المقبلة، وما إذا كانت ستتطور إلى حملة استهلاكية واسعة على غرار ما حدث قبل ثماني سنوات، أو ستظل في حدود ردود الفعل المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي.





