
المهدي سابق
خبر _ كشف مجلس المنافسة عن تشخيص شامل لواقع مهنة العدول بالمغرب، معتبراً أن تحديث الإطار القانوني المنظم للمهنة يمثل خطوة أساسية لتعزيز الأمن التعاقدي، وتحسين جودة خدمات التوثيق، ومواكبة التحولات الرقمية، وإرساء منافسة أكثر توازناً بين مختلف الفاعلين في سوق التوثيق.
وجاء ذلك في الرأي رقم ر/26/4 الصادر بتاريخ 30 يونيو 2026 بشأن مشروع القانون رقم 16.22 المنظم لمهنة العدول، والذي أعده المجلس بطلب من رئيس مجلس النواب، حيث قدم قراءة مفصلة لبنية سوق التوثيق، ورصد أبرز الإكراهات التي تواجه المهنة، واقترح مجموعة من الإصلاحات القانونية والتنظيمية والرقمية.
وأوضح المجلس أن سوق التوثيق بالمغرب يقوم على ثلاثة مسالك رئيسية، هي العدول والموثقون والمحامون المقبولون لدى محكمة النقض في نطاق الاختصاصات التي يحددها القانون، مؤكداً أن تطوير هذا القطاع يتطلب تحقيق توازن بين حماية الحقوق وتبسيط الإجراءات ورفع كفاءة الخدمات.
وأظهرت المعطيات الواردة في التقرير أن عدد العدول بالمغرب بلغ 3399 عدلاً، بينهم 3081 رجلاً و318 امرأة، مع تسجيل تمركز أكبر للمهنة في الدوائر القضائية لفاس وطنجة والدار البيضاء والرباط. وخلال سنة 2024 أنجز العدول 845 ألفاً و545 رسماً وشهادة عدلية، استحوذت وثائق الأحوال الشخصية على 34.9 في المائة منها، تلتها الرسوم المختلفة بنسبة 29.7 في المائة، ثم المعاملات العقارية بنسبة 22.4 في المائة، بينما شكلت التركات والوصايا 13.1 في المائة من إجمالي النشاط.
وفي المقابل، بلغ عدد الموثقين 1735 موثقاً خلال سنة 2025، أنجزوا 680 ألفاً و764 عقداً بقيمة إجمالية قدرت بحوالي 180 مليار درهم، مع تمركز نحو 47.3 في المائة منهم بمحور الدار البيضاء–الرباط، وهو ما يعكس ارتباط نشاط التوثيق العصري بالمراكز الاقتصادية الكبرى.
وسجل مجلس المنافسة أن مشروع القانون 16.22 يتضمن إصلاحات جوهرية تروم تحديث المهنة، من بينها اعتماد الرقمنة الشاملة في مختلف الإجراءات، وإلزامية استعمال التوقيع الإلكتروني المؤهل، والإيداع الإلكتروني اليومي للوثائق، إضافة إلى إقرار المسؤولية المدنية عن الأخطاء المهنية مع إلزامية التأمين، وإعداد مدونة للأخلاقيات، وإعادة تنظيم شروط الولوج إلى المهنة عبر مباراة موحدة، وتحديد فترة التمرين، وإقرار التكوين المستمر، فضلاً عن منح الشخصية الاعتبارية للهيئة الوطنية للعدول والمجالس الجهوية.
ورغم هذه الإصلاحات، اعتبر المجلس أن عدداً من القيود التنظيمية ما زال يحد من تنافسية العدول مقارنة بباقي مهنيي التوثيق. وفي مقدمة هذه الإكراهات غياب إطار قانوني يسمح للعدول بتلقي ودائع المتعاقدين، وهو ما يضعف قدرتهم على المنافسة في بعض المعاملات، خاصة المرتبطة بالعقار والأصول التجارية، حيث يفضل المتعاملون الجهات التي توفر آليات قانونية لتأمين الأموال.
كما اعتبر أن اشتراط حضور عدلين معاً عند تلقي الإشهاد يرفع الكلفة الزمنية والإجرائية لإنجاز العقود، في حين يؤدي خضوع العقود العدلية لرقابة قاضي التوثيق قبل انتقالها إلى رقابة المحافظ العقاري إلى إطالة آجال استكمال الإجراءات، وهو ما يؤثر على سرعة إنجاز المعاملات ويقلل من جاذبية المسلك العدلي، خاصة في مجال العقار المحفظ.
ولتجاوز هذه الاختلالات، أوصى مجلس المنافسة بإحداث آلية قانونية تمكن العدول من تدبير ودائع المتعاملين عبر حسابات مهنية مخصصة وخاضعة للرقابة، بما يضمن حماية أموال الزبناء ويعزز الثقة في المهنة.
كما دعا إلى اعتماد آلية التلقي عن بعد باستخدام وسائل الاتصال المرئي المعتمدة قانوناً، بما يسمح بتبسيط إجراءات التلقي مع الحفاظ على الضمانات القانونية، إلى جانب تعزيز الربط الرقمي بين العدول وقضاة التوثيق والمحافظة العقارية لتقليص آجال معالجة الملفات والحد من تكرار الإجراءات.
وشملت توصيات المجلس أيضاً مراجعة السقف المحدد لمشاركة العدول داخل المكتب الواحد، والمحدد في أربعة عدول، بما يراعي خصوصيات كل دائرة قضائية، فضلاً عن توفير الدعم التقني واللوجستيكي للعدول، خصوصاً في المناطق القروية، لضمان نجاح ورش الرقمنة وتقليص الفجوة الرقمية.
وخلص مجلس المنافسة إلى أن مهنة العدول تشكل إحدى الركائز الأساسية للأمن القانوني والتعاقدي بالمغرب، غير أن تعزيز مكانتها يظل رهيناً بإصلاح عدد من المقتضيات التنظيمية، وتطوير البنية الرقمية، وإرساء شروط منافسة عادلة مع باقي مهن التوثيق، بما ينعكس على جودة الخدمات وسرعة إنجاز المعاملات ويواكب متطلبات الاقتصاد الوطني.





