توحتوح ينتصر لـ”الأحرار” ويجمّد تقرير المهمة الاستطلاعية حول برنامج “فرصة”

حسين العياشي

خبر_  فجّر امتناع محمادي توحتوح، النائب البرلماني عن حزب التجمع الوطني للأحرار ومقرر المهمة الاستطلاعية المؤقتة الخاصة ببرنامج “فرصة”، عن توقيع التقرير النهائي للمهمة، أزمة جديدة داخل مجلس النواب، بعدما تسبب، وفق معطيات كشفتها نائبة مقرر المهمة سلوى البردعي، في تعطيل إخراج إحدى أبرز الوثائق الرقابية التي أنجزها البرلمان خلال الولاية التشريعية الحالية، رغم اكتمالها منذ أكثر من شهر.

وبينما كان يُنتظر أن يشكل التقرير محطة رقابية مهمة لتقييم واحد من أبرز البرامج الحكومية الموجهة لدعم الشباب وحاملي المشاريع، انتهى به المطاف حبيس رفوف البرلمان، في واقعة تعيد إلى الواجهة سؤالا أكبر من مجرد تأخر وثيقة، يتعلق بمدى قدرة المؤسسة التشريعية على ممارسة وظائفها الرقابية كاملة، كما أرادها دستور 2011.

توقيع غائب.. وتقرير يدخل الثلاجة

وفي تصريح خصّت به “إعلام تيفي”، أوضحت النائبة البرلمانية سلوى البردعي، نائبة مقرر المهمة، أن أعضاء اللجنة استكملوا مناقشة التقرير واتفقوا على إخراجه في صيغته النهائية، بعد تعذر عقد لقاء إضافي مع وزيرة السياحة لاستكمال بعض المعطيات، غير أنهم فوجئوا، بحسب روايتها، بعدم إقدام مقرر المهمة على توقيع التقرير، وعدم تجاوبه مع اتصالات رئيسة اللجنة وأعضائها، وهو ما أدى إلى تجميد الوثيقة داخل البرلمان ومنع استكمال مسطرة إحالتها ونشرها.

واعتبرت البردعي أن هذا “البلوكاج” لا يقتصر على تعطيل وثيقة رقابية أنجزها نواب الأمة بعد أشهر من العمل الميداني، بل يحرم الرأي العام من الاطلاع على خلاصات مهمة استنزفت، بحسب تعبيرها، جهدا مؤسساتيا ومالا عاما، مؤكدة أن المسؤولية الإجرائية عن استمرار تجميد التقرير يتحملها مقرر المهمة.

اختلالات في الحكامة ومشاريع لم تحقق الوعود

وكشفت البرلمانية جانبا من مضامين التقرير، مؤكدة أن المهمة الاستطلاعية، التي همّت جهات الدار البيضاء-سطات وطنجة-تطوان-الحسيمة والداخلة-وادي الذهب، وقفت على اختلالات متعددة شابت تنزيل برنامج “فرصة”، سواء على مستوى الحكامة أو المواكبة أو تتبع المشاريع الممولة.

وأضافت أن أعضاء المهمة لم يعثروا، خلال الزيارات الميدانية، على مشاريع يمكن اعتبار نجاحها ثمرة مباشرة للبرنامج، موضحة أن أغلب المبادرات التي تمت معاينتها كانت تعاني درجات متفاوتة من التعثر، فيما تبين أن عددا من المستفيدين استفادوا، في الوقت ذاته، من برامج دعم أخرى.

ومن بين أبرز الملاحظات التي سجلها التقرير، بحسب البردعي، ضعف أداء الحاضنات المكلفة بمواكبة أصحاب المشاريع، إذ أكد عدد كبير من المستفيدين أنهم لم يتلقوا المواكبة التي كان يفترض أن توفرها هذه الحاضنات، رغم الاعتمادات المالية المهمة التي خصصت لهذا الجانب.

وساقت البرلمانية أمثلة لمشاريع وصفتها بـ”الواعدة”، قالت إنها تعثرت بسبب عراقيل إدارية بسيطة كان بالإمكان تجاوزها لو توفرت مواكبة فعلية، معتبرة أن غياب التأطير والمتابعة كان سببا رئيسيا في تعثر مبادرات كان يمكن أن تتحول إلى قصص نجاح.

إدارات امتنعت عن تسليم المعطيات

ولم تقف الصعوبات عند حدود تنزيل البرنامج، بل امتدت، وفق تصريحها، إلى عمل المهمة الاستطلاعية نفسها، بعدما امتنعت بعض الإدارات عن تمكين اللجنة من معطيات وإحصائيات طلبتها، من بينها بيانات مرتبطة بالمستفيدين المسجلين بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، رغم الوعود التي قُدمت للجنة بتوفيرها.

كما سجل التقرير، بحسب المصدر ذاته، تذمر عدد من المستفيدين من طبيعة الالتزامات المالية المترتبة عن الاستفادة من البرنامج، بعدما اكتشف بعضهم، وفق تصريحاتهم لأعضاء اللجنة، أن الدعم لم يكن بالشروط التي كانوا يتصورونها عند انخراطهم في المشروع.

وفي تقييمها للهندسة المؤسساتية للبرنامج، اعتبرت البردعي أن إسناد الإشراف عليه إلى وزارة السياحة بدل وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات أثار علامات استفهام داخل المهمة، بالنظر إلى الارتباط الوثيق للبرنامج بقضايا التشغيل والإدماج الاقتصادي.

ولم تستبعد البرلمانية، في المقابل، وجود اختلالات في طريقة اختيار عدد من المستفيدين، مشيرة إلى أن المهمة سجلت، وفق تعبيرها، مؤشرات توحي باستفادة مقربين من حزب التجمع الوطني للأحرار، معتبرة أن هذه المعطيات كانت تستوجب مزيدا من التدقيق.

من إسقاط لجان التقصي.. إلى تجميد المهام الاستطلاعية

غير أن أهمية هذه الواقعة لا تنبع فقط من مضمون التقرير، وإنما من دلالاتها على مستوى ممارسة البرلمان لاختصاصاته الرقابية. فبعدما تعثرت، خلال هذه الولاية التشريعية، كل محاولات المعارضة لتشكيل لجان لتقصي الحقائق في عدد من الملفات التي أثارت نقاشا واسعا، يأتي اليوم تجميد تقرير مهمة استطلاعية مكتملة الأركان ليعزز الانطباع بأن مختلف الآليات الرقابية التي خولها دستور 2011 للمؤسسة التشريعية أصبحت تواجه عراقيل متتالية، سواء قبل انطلاقها أو بعد انتهاء أعمالها.

ويزداد هذا المعطى حساسية بالنظر إلى أن مقرر المهمة، الذي أدى امتناعه عن التوقيع إلى تعطيل التقرير، ينتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، قائد الائتلاف الحكومي، وهو ما يمنح الواقعة بعدا سياسيا يتجاوز مجرد خلاف إجرائي. فحين يكون الحزب الذي يقود الأغلبية طرفا في تعطيل إخراج وثيقة رقابية جاهزة، فإن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول مدى التزام الأغلبية بتمكين البرلمان من ممارسة اختصاصاته الرقابية كاملة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتقييم برنامج حكومي.

هل يفقد البرلمان أهم أسلحته الدستورية؟

وإذا كانت لجان تقصي الحقائق تمثل أقوى الآليات الرقابية التي يتيحها الدستور للبرلمان، فإن المهام الاستطلاعية تظل من أهم أدوات تتبع تنفيذ السياسات العمومية ورصد مكامن الاختلال. غير أن بقاء تقرير “فرصة” رهين توقيع لم يُنجز، بعد أشهر من العمل والزيارات الميدانية والإنفاق من المال العام، لا يطرح فقط سؤالا حول مصير وثيقة رقابية، بل يفتح نقاشا أوسع حول مستقبل الرقابة البرلمانية نفسها.

فالقيمة الحقيقية لهذه الآليات لا تقاس بعدد اللجان التي تُحدث، وإنما بقدرتها على بلوغ نهايتها الطبيعية، ونشر نتائجها، وترتيب آثارها السياسية والمؤسساتية. أما حين تُجهض لجان تقصي الحقائق، ثم تُعطل المهام الاستطلاعية بعد إنجازها، فإن البرلمان يخاطر بأن يفقد، تدريجيا، أهم أدواته في مراقبة العمل الحكومي، بما يمس بروح دستور 2011 الذي جعل من الرقابة إحدى الوظائف الجوهرية للمؤسسة التشريعية، ومن ربط المسؤولية بالمحاسبة أحد مرتكزات النظام الدستوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى