
أميمة حدري
دفعة جديدة تقرب مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري من مرحلة التنفيذ، فبعد سنوات من الدراسات والتحضيرات، تلقى مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري دفعة سياسية ومؤسساتية جديدة، عقب توقيع الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس” اتفاقية حكومية بالعاصمة السيراليونية فريتاون، تمهد لاستكمال المسار القانوني والتنظيمي للمشروع.
وفي قراءة للأبعاد الاقتصادية للمشروع، أكد بدر الزاهر الأزرق، الأستاذ الباحث في الاقتصاد وقانون الأعمال بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية، أن القيمة الحقيقية لأنبوب الغاز المغربي النيجيري لا تكمن في نقل الغاز فحسب، بل في الدينامية الاستثمارية والصناعية التي يُنتظر أن يطلقها على امتداد مساره.
وأوضح الأزرق في تصريح لـ “إعلام تيفي“، أن مرحلة إنجاز المشروع ستواكبها استثمارات كبيرة في مجالات البنية التحتية والأشغال العمومية والنقل والخدمات واللوجستيك، وهو ما سينعكس على تحريك الاقتصاد وخلق فرص شغل مباشرة في أوراش البناء والهندسة والصيانة، إلى جانب فرص عمل غير مباشرة في قطاعات النقل والتجارة والخدمات، بما يساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية في عدد من الدول المشاركة.
وأضاف أن الأثر الاقتصادي للمشروع سيستمر بعد دخوله حيز التشغيل، من خلال توفير مصدر مستقر للطاقة يساهم في معالجة أحد أبرز التحديات التي تواجه اقتصادات غرب إفريقيا، والمتمثل في ضعف التزود بالكهرباء وارتفاع تكلفتها، الأمر الذي من شأنه تحسين إنتاجية المقاولات، ودعم توسعها، وتطوير إنتاج الكهرباء، وتحريك الصناعات المحلية، بما ينعكس على معدلات النمو الاقتصادي ورفع القيمة المضافة.
ويرى المتحدث أن المشروع يمتلك أيضا مقومات قوية لجذب الاستثمارات الأجنبية، بالنظر إلى أنه يوفر ثلاثة عناصر أساسية يبحث عنها المستثمرون، تتمثل في توفر طاقة مستقرة، وبنية تحتية مناسبة، وإمكانية الولوج إلى سوق واسعة في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وهو ما يفتح المجال أمام استقطاب استثمارات جديدة في صناعات الأسمدة والبتروكيماويات والإسمنت والحديد والصناعات الغذائية والتحويلية.
كما سجل أن المشروع سيساهم في إعادة توزيع الاستثمارات على المستوى الترابي، من خلال تشجيع إحداث مناطق صناعية ولوجستيكية جديدة على طول مسار الأنبوب، بما يحد من تركيز المشاريع الاقتصادية في العواصم والمدن الكبرى، ويعزز التنمية المجالية في مختلف المناطق التي سيمر عبرها.
وبخصوص المغرب، شدد الأزرق على أن المملكة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد بلد عبور للغاز، لأن المكاسب المنتظرة تتجاوز بكثير الرسوم المرتبطة بمرور الأنبوب، موضحا أن الرؤية المغربية تقوم على التحول إلى منصة إقليمية للطاقة تربط بين إفريقيا وأوروبا.
وأشار إلى أن أولى هذه المكاسب تتمثل في تعزيز الأمن الطاقي الوطني، من خلال توفير مصدر مستقر ومتعدد للغاز الطبيعي، بما يساهم في خفض كلفة إنتاج الكهرباء، ودعم تنافسية الصناعات التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة، وفي مقدمتها الصناعات الكيماوية وصناعة الأسمدة والإسمنت والحديد.
وأضاف أن توفر الغاز الطبيعي بأسعار تنافسية سيعزز كذلك جاذبية المغرب لدى المستثمرين الدوليين، بالنظر إلى أن استقرار التزود بالطاقة يشكل أحد أهم محددات القرار الاستثماري، وهو ما قد يدفع شركات صناعية جديدة إلى اختيار المملكة قاعدة للإنتاج والتصدير، خاصة بالمناطق الصناعية الكبرى، من قبيل طنجة والقنيطرة والجرف الأصفر والناظور غرب المتوسط.
وأكد الأستاذ الباحث أن المشروع سيتيح أيضا للمغرب تطوير اقتصاد متكامل مرتبط بالغاز الطبيعي، عبر إنشاء منشآت للتخزين وإعادة التوزيع، وتطوير الصناعات والخدمات المرتبطة بهذا القطاع، بما يخلق قيمة مضافة عالية وفرص شغل مؤهلة، عوض الاكتفاء بالعائدات المرتبطة بعبور الأنبوب.
ولفت إلى أن المشروع ينسجم مع الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي، باعتبار الغاز الطبيعي طاقة انتقالية أقل انبعاثا للكربون، يمكن أن تدعم توسع مشاريع الطاقات المتجددة، وتساهم في ضمان استقرار الشبكة الكهربائية الوطنية، بما يعزز أمن التزود بالطاقة خلال مرحلة الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون.
وخلص الأزرق إلى أن المكسب الاستراتيجي الأبرز يتمثل في تعزيز مكانة المغرب كمركز إقليمي للطاقة والاستثمار، موضحا أن تحول المملكة إلى نقطة التقاء لشبكات الغاز والكهرباء والهيدروجين الأخضر سيرفع من قدرتها على استقطاب الاستثمارات الدولية، ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني، بما ينعكس على النمو الاقتصادي وإحداث فرص الشغل، مؤكدا أن الرهان المغربي لا يقتصر على نقل الغاز، بل يقوم على بناء منظومة اقتصادية وصناعية متكاملة حول الطاقة، تجعل من المملكة أحد أبرز المراكز الطاقية واللوجستيكية في القارة الإفريقية.





