
بشرى عطوشي
رأي _ لم يعد موسم الصيف في مدن الشمال المغربي، الممتدة من طنجة إلى الفنيدق والمضيق ومرتيل والحسيمة والسعيدية، مناسبة تنتظرها الأسر المغربية بقدر ما أصبح اختبارًا لقدرتها الشرائية. فمع بداية كل موسم ترتفع أسعار الإيواء والكراء والمطاعم والمقاهي ومواقف السيارات والمواد الاستهلاكية، حتى أصبحت عطلة أسبوع واحد في بعض المدن الساحلية تفوق أحيانًا تكلفة رحلة سياحية إلى وجهات خارج المغرب.
هذه الظاهرة لم تعد مرتبطة بقانون العرض والطلب وحده، بل أصبحت سلوكًا اقتصاديًا متكررًا يتجدد كل صيف، وسط غياب آليات فعالة لضبط الأسعار وحماية المستهلك، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبل السياحة الداخلية المغربية.
أولى أسباب هذا الغلاء تتمثل في الطلب الموسمي الكبير الناتج عن توافد ملايين المصطافين والجالية المغربية المقيمة بالخارج في فترة زمنية قصيرة، وهو ما يدفع عددا من أصحاب الشقق والفنادق والمطاعم إلى مضاعفة الأسعار لتحقيق أكبر هامش من الأرباح خلال بضعة أسابيع فقط.
كما ساهمت المضاربة العقارية في ارتفاع أسعار الإيجار بشكل غير مسبوق، حيث تُحجز آلاف الشقق لأغراض الكراء الصيفي بأسعار يومية مرتفعة، ما انعكس أيضًا على أسعار السكن الدائم، خاصة في طنجة والمضيق ومرتيل.
ويضاف إلى ذلك ضعف المنافسة المنظمة وغياب تسقيف للأسعار في العديد من الخدمات، حيث يجد السائح نفسه أمام أسعار مختلفة للخدمة نفسها من مكان إلى آخر، دون مبررات واضحة، مع استغلال واضح لفترة الذروة.
أما التداعيات، فهي تتجاوز جيب المواطن لتطال صورة السياحة الوطنية نفسها. فقد بدأت شريحة واسعة من الأسر المغربية تفضل قضاء عطلتها في مدن داخلية أقل تكلفة، أو السفر إلى دول مجاورة تقدم خدمات أفضل بأسعار منافسة، وهو ما يعني أن الغلاء قد يدفع السياحة الداخلية إلى فقدان جزء مهم من زبنائها التقليديين.
وفي المقابل، لا تخلو مواقع التواصل الاجتماعي من تعليقات لبعض سكان المدن الشمالية أو المستثمرين المحليين الذين يعتبرون ارتفاع الأسعار دليلًا على “رقي” مدنهم، ويرون أن الأسعار المرتفعة تحد من الاكتظاظ وتستقطب فئة ذات قدرة إنفاق أكبر. غير أن تعميم هذا الطرح لا يعكس بالضرورة رأي جميع السكان، كما أنه يثير نقاشًا حول الحق في الولوج إلى الفضاءات السياحية العمومية دون أن تكون القدرة المالية هي المعيار الوحيد.
ويتحمل المسؤولية في هذا الملف أكثر من طرف؛ فالجماعات الترابية مطالبة بتنظيم الفضاءات العمومية ومراقبة الاستغلال التجاري، والسلطات المختصة بمراقبة احترام قوانين حماية المستهلك، وقطاعات السياحة والتجارة مطالبة بوضع آليات للحد من الممارسات الاحتكارية والمضاربات الموسمية، كما يتحمل بعض المهنيين مسؤولية تفضيل الربح السريع على بناء سمعة سياحية مستدامة.
ولإعادة التوازن، تبدو الحاجة ملحة إلى اعتماد سياسة وطنية للسياحة الداخلية تقوم على تشجيع الأسعار المعقولة، وتشديد الرقابة على الإيواء غير المهيكل، وإشهار الأسعار بشكل واضح، وتحفيز المؤسسات السياحية التي تحافظ على أثمان مناسبة، إلى جانب توزيع الأنشطة السياحية على مختلف جهات المملكة لتخفيف الضغط عن الشريط الساحلي المتوسطي.
إن نجاح أي وجهة سياحية لا يقاس بارتفاع أسعارها، بل بقدرتها على استقبال مختلف فئات المجتمع وتقديم خدمات ذات جودة مقابل أسعار عادلة. فالسياحة الداخلية ليست امتيازًا للأثرياء، بل رافعة اقتصادية واجتماعية ينبغي أن تظل في متناول الأسر المغربية، حتى لا تتحول الشواطئ الوطنية إلى فضاءات يشعر فيها المواطن بأنه غريب داخل بلده.





