رغم تراجع التضخم.. القدرة الشرائية للمغاربة لا تزال تحت الضغط.. لماذا لا يشعر المواطن بانخفاض الأسعار؟

اعلام تيفي

خبر_في الوقت الذي أعلنت فيه المندوبية السامية للتخطيط تسجيل انخفاض في الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك خلال شهر يونيو 2026 بنسبة 0,4 في المائة مقارنة بشهر ماي، عاد النقاش من جديد حول الفجوة بين المؤشرات الإحصائية والواقع اليومي الذي يعيشه المستهلك المغربي، حيث ما تزال كلفة المعيشة مرتفعة بالنسبة لشريحة واسعة من الأسر، رغم التحسن النسبي الذي تعكسه الأرقام الرسمية.

وبحسب المذكرة الإخبارية للمندوبية السامية للتخطيط، فإن هذا التراجع يعزى أساسا إلى انخفاض أسعار المواد الغذائية بنسبة 0,8 في المائة، مدفوعا بانخفاض أثمان الخضر بـ2,5 في المائة، والحليب والجبن والبيض بـ1,9 في المائة، واللحوم والخبز والحبوب بـ0,3 في المائة، والزيوت والدهنيات بـ0,1 في المائة، مقابل ارتفاع أسعار السمك وفواكه البحر بـ4,3 في المائة، والفواكه بـ0,8 في المائة، والقهوة والشاي والكاكاو بـ0,2 في المائة. كما تراجعت أسعار المحروقات بنسبة 2,9 في المائة، وهو ما ساهم بدوره في كبح وتيرة التضخم الشهري.

غير أن قراءة هذه الأرقام في سياقها الاقتصادي تكشف أن انخفاض الأسعار خلال شهر واحد لا يعني بالضرورة تحسنا فوريا في القدرة الشرائية. فالمؤشر يقيس تطور الأسعار مقارنة بالشهر السابق، ولا يعكس بالضرورة تراجعا عاما في مستويات الأسعار التي راكمت ارتفاعات متتالية خلال السنوات الأخيرة.

وتؤكد بيانات المندوبية أن الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك ظل أعلى بنسبة 0,3 في المائة مقارنة بشهر يونيو من السنة الماضية، نتيجة ارتفاع أسعار المواد غير الغذائية بـ2,3 في المائة، رغم تراجع أسعار المواد الغذائية بـ2,3 في المائة على أساس سنوي. كما ارتفعت أسعار قطاع النقل بنسبة 6,7 في المائة، وهو من أكثر القطاعات تأثيراً على ميزانية الأسر، بالنظر إلى انعكاساته المباشرة على كلفة التنقل والخدمات وأسعار عدد من السلع.

وتبرز المعطيات أيضا وجود تفاوتات مجالية في تطور الأسعار، إذ سجلت أكبر الانخفاضات الشهرية في بني ملال (-2,0%) والقنيطرة (-1,7%) والرشيدية (-1,4%) والحسيمة (-1,3%)، بينما عرفت مدن مثل آسفي ووجدة ارتفاعاً طفيفاً في الأسعار. ويؤكد ذلك أن أثر التضخم لا يتوزع بالوتيرة نفسها بين مختلف المدن، وأن تكلفة العيش تختلف باختلاف المناطق والخصوصيات المحلية للأسواق.

وفي المقابل، سجل مؤشر التضخم الأساسي، الذي يستثني المواد ذات الأسعار المحددة والمواد شديدة التقلب، ارتفاعا بنسبة 0,2 في المائة مقارنة بشهر ماي، مع انخفاض طفيف بـ0,1 في المائة مقارنة بالسنة الماضية، وهو ما يعكس استمرار الضغوط التضخمية في عدد من القطاعات الأساسية، حتى وإن تراجعت أسعار بعض المواد الغذائية بشكل ظرفي.

اقتصادياً، تطرح هذه النتائج سؤالاً محورياً: هل يكفي تراجع التضخم حتى يشعر المواطن بانخفاض كلفة المعيشة؟ والجواب أن التضخم يقيس سرعة ارتفاع الأسعار، وليس مستوى الأسعار نفسه. وبالتالي، فإن انخفاض معدل التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، بل يعني فقط أن وتيرة ارتفاعها أصبحت أبطأ، وهو ما يفسر استمرار شعور عدد كبير من الأسر بأن المعيشة لا تزال مكلفة رغم المؤشرات الإيجابية.

كما أن استمرار ارتفاع أسعار خدمات أساسية، وعلى رأسها النقل وبعض الخدمات غير الغذائية، يحد من الأثر الإيجابي الذي يمكن أن يحققه انخفاض أسعار بعض المنتجات الغذائية، خاصة بالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، التي يستهلك الإنفاق على النقل والسكن والخدمات جزءاً مهماً من ميزانيتها الشهرية.

وتعكس معطيات يونيو 2026 بداية انفراج نسبي في الضغوط التضخمية، لكنها لا تعني نهاية أزمة غلاء المعيشة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في خفض معدل التضخم، بل في تحويل هذا التحسن الإحصائي إلى أثر ملموس على القدرة الشرائية للمواطنين، عبر استقرار الأسعار، وتعزيز المنافسة، ومراقبة الأسواق، وضمان انتقال أي تراجع في كلفة الإنتاج أو النقل إلى الأسعار النهائية التي يدفعها المستهلك. فالرهان بالنسبة للأسر المغربية لم يعد مرتبطا بالأرقام المجردة، بقدر ما يرتبط بسؤال بسيط يتكرر كل يوم: هل أصبح التسوق أقل كلفة مما كان عليه قبل أشهر؟ وحتى الآن، تبدو إجابة جزء كبير من المستهلكين مختلفة عن المؤشرات الإحصائية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى