التخطيط العمراني بين المصلحة العامة وحقوق الملاك.. أين يختل التوازن؟

بشرى عطوشي

رأي _ في الوقت الذي يراهن فيه المغرب على تعزيز الاستثمار وتحقيق العدالة المجالية وترسيخ الأمن العقاري، يواجه عدد من المواطنين والمستثمرين الصغار والمتوسطين واقعًا مغايرًا يتمثل في التغييرات المفاجئة التي تطال وثائق التعمير وبرامج التهيئة بمختلف جهات المملكة.

فبين ليلة وضحاها، قد يكتشف مالك أرض أو منزل أن عقاره أصبح ضمن مسار طريق سريعة أو مزدوجة، أو داخل نطاق مشروع مطار أو مرفق عمومي، أو خاضعًا لارتفاقات جديدة تجمد كل إمكانية للاستغلال أو البناء، دون أن يكون قد أُبلغ مسبقًا أو أُتيحت له فرصة ترتيب أوضاعه.

من حيث المبدأ، لا خلاف على أن إنجاز الطرق والمطارات والمستشفيات والمرافق العمومية يخدم المصلحة العامة، غير أن الإشكال يبرز عندما يشعر المتضرر بأن التخطيط تم دون إشراكه أو إعلامه في الوقت المناسب، وأن آثار القرار تقع عليه قبل تفعيل آليات التعويض أو نزع الملكية وفق المساطر القانونية.

وفي العديد من الحالات، يكون المواطن قد استثمر مدخرات سنوات طويلة لاقتناء قطعة أرض أو بناء مسكن أو إطلاق مشروع صغير، ثم يجد نفسه أمام تغيير في تصميم التهيئة يحد من حقوقه أو يجمدها، فتتراجع القيمة الاقتصادية للعقار، وتتوقف المعاملات المرتبطة به، بينما تبقى حالة عدم اليقين قائمة إلى حين اتضاح مآل المشروع.

كما أن المستثمر المتوسط، الذي اختار منطقة معينة لإنشاء مشروع يساهم في التنمية المحلية وخلق فرص الشغل، قد يجد نفسه أمام تغييرات عمرانية غير متوقعة تعيد حساباته إلى نقطة الصفر، وهو ما قد يؤثر في مناخ الاستثمار، خاصة عندما تغيب الرؤية الزمنية الواضحة لتنفيذ المشاريع أو لتسوية أوضاع المتضررين.

وتبرز هنا أهمية التخطيط الاستباقي. ففي التجارب العمرانية التي تقوم على الحكامة الجيدة، تُعد المشاريع الكبرى بعد دراسات طويلة، ويُعلن عنها في مراحلها الأولى، وتُحدد المجالات المعنية، وتُفعَّل مساطر الحماية القانونية، وتُحصى الأملاك والأشخاص الذين قد يتأثرون بها، ثم تُواكب الإجراءات بآليات للتعويض وفق القوانين الجاري بها العمل، بما يحقق التوازن بين المصلحة العامة وحماية الحقوق الفردية.

ولا يعني ذلك أن كل تعديل في وثائق التعمير يفتقر إلى الدراسة، لكن تكرار شكاوى المواطنين في عدد من المناطق بشأن عنصر المفاجأة وطول فترات الانتظار يطرح أسئلة مشروعة حول مدى نجاعة التواصل المؤسساتي، ووضوح الرؤية، وقدرة منظومة التخطيط العمراني على منح الأسر والمستثمرين الحد الأدنى من الاستقرار الذي يحتاجونه لاتخاذ قرارات مالية طويلة الأمد.

إن التنمية العمرانية لا تقاس فقط بسرعة إنجاز الطرق والمنشآت، بل أيضًا بقدرة المؤسسات على بناء الثقة مع المواطنين. فالمستثمر، مهما كان حجم استثماره، يحتاج إلى بيئة يسودها الوضوح، والمواطن الذي يضع مدخرات عمره في قطعة أرض أو مسكن يحتاج إلى الاطمئنان بأن التخطيط الحضري لن يحول مشروع حياته إلى مصدر دائم للقلق.

ولعل المرحلة المقبلة تستدعي تعزيز الشفافية في إعداد وثائق التعمير، وتوسيع آليات التشاور العمومي، والإعلان المبكر عن المشاريع المهيكلة، وربط أي قيود تفرض على الملكية الخاصة بمساطر واضحة وآجال معقولة وتعويضات عادلة عند الاقتضاء. فالتخطيط العمراني الناجح لا يقتصر على رسم الخرائط، بل يقوم أيضًا على حماية الثقة بين الإدارة والمواطن، بما يضمن أن تتحقق المصلحة العامة دون أن يشعر الأفراد بأن مستقبلهم أصبح رهين قرارات مفاجئة لا يملكون تجاهها سوى الانتظار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى