هدف “القضاء على الجوع” بالعالم لن يتحقق..أزيد من 500 مليون جائع في سنة 2030

بشرى عطوشي 

تقرير_ نشرت الأمم المتحدة للتو تقريرها السنوي عن الأمن الغذائي. وللعام الثالث على التوالي، يشهد الجوع المزمن انخفاضًا.

ففي عام 2025، أثر الجوع على 7.8 في المائة من سكان العالم، أي 645 مليون شخص. وهذا يعني انخفاضًا قدره 14 مليون شخص خلال عام واحد، و43 مليون شخص مقارنةً بعام 2022.

هذه أخبار سارة، إذ يبرز بأن الجوع ليس لعنة، لكن التقرير نفسه يُشير إلى حجم الإخفاق الذي يظهر من خلال أعداد الجوعى في العالم، بحيث سيظل بين 510 و520 مليون شخص يعاني من الجوع في عام 2030، وهو الموعد الذي كان من المفترض أن يتحقق فيه هدف “القضاء على الجوع”، الذي أُدرج عام 2015 ضمن أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.

الجانب الخفي وراء هذه الأرقام

هذا المتوسط ​​العالمي لا يُقدم صورة كاملة، فبعد ذروة جائحة كوفيد-19، كان الانخفاض الملحوظ في معدلات الجوع منذ عام 2022 مدفوعًا بشكل رئيسي بآسيا وأمريكا اللاتينية.

أما أفريقيا، فتُخالف هذا الاتجاه، بحيث يعاني 309 ملايين شخص في القارة الأفريقية حاليا من سوء التغذية من أصل 1.6 مليار نسمة، مقارنةً بـ 292 مليونا في آسيا من أصل ما يقارب 4 مليارات نسمة.

بعبارة أخرى، لا يزال واحد من كل خمسة أفارقة يعاني من الجوع، بينما النسبة في آسيا أقل بكثير، وبالتالي، قد تتحسن الإحصائيات العالمية بينما تغرق قارة أخرى في أزمة أعمق.

صحيح أن هناك تقدما ضعيفا، لكنه يبقى محصورًا في المناطق التي تمتلك السياسات والدخل والبنية التحتية اللازمة لتحويله إلى غذاء.

الجوع المزمن يتراجع عمومًا، لكن في الوقت نفسه، ينتشر الجوع الحاد في مناطق الأزمات. وبحلول عام 2025، عانى 266 مليون شخص من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وقد تضاعفت النسبة المتأثرة تقريبًا منذ عام 2016. وشهدت غزة وأجزاء من السودان ظروف مجاعة في آن واحد، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ التقرير. ولا يزال الصراع هو المحرك الرئيسي لهذا الجوع الحاد، حيث يُدمر الغذاء أو يُحجب أو يُمنع الوصول إليه.

وفي المقابل، يعيش أكثر من مليار شخص مع السمنة، يشهد العالم تزايدًا في معدلات السمنة والجوع في آنٍ واحد. لا يُوزّع النظام الغذائي العالمي الغذاء بشكلٍ عادل، بل يُوزّع ما يستطيع الجميع تحمّله. تُشبع السعرات الحرارية المُصنّعة الرخيصة المعدة، ثم تُلحق الضرر بالصحة. يُعدّ كلٌّ من نقص الوزن وزيادته نتيجتين لنفس السوق المُختلّ التنظيم.

غياب تحديد الأولويات

يُوضّح تقرير  SOFI لهذه السنة أن  2.69 مليار شخص، أي ما يُقارب ثلث البشرية، لا يستطيعون تحمّل تكلفة نظام غذائي صحي. والأهم من ذلك، أن 70 إلى 75 في المائة من السعر الذي يدفعه المستهلك يأتي بعد استقدامه من الحقول، من خلال التصنيع والخدمات اللوجستية والتجارة، والتي قد تُمثّل ما يصل إلى 40 في المائة من التكلفة.

لذا، لا تكمن المشكلة في الحقول فحسب، بل في الدخل وطرق التخزين وسلسلة التبريد وهوامش الربح وتنظيم السوق. في وقتٍ مُبكر من عام 1981، أوضح أمارتيا صن اقتصادي وفيلسوف هندي، عرف بإسهاماته الرائدة في مجالات اقتصاد الرفاه، ونظرية الاختيار الاجتماعي، واقتصاديات التنمية ، أوضح أن المجاعة غالبًا ما تنتج عن عدم القدرة على الحصول على الغذاء المُتاح أكثر من كونها ناتجة عن نقصٍ عام في الغذاء.

الوسائل متاحة

قدّرت دراسة مشتركة بين منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) والصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) عام 2015، وهي دراسة أقدم ولكنها لا تزال الأكثر شمولاً، أن الجهد اللازم للقضاء على الجوع بشكل مستدام يبلغ 267 مليار دولار أمريكي سنويًا، أي ما يعادل 0.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وفي النصف الأول من عام 2026، حشدت عمليات الاندماج والاستحواذ أكثر من 2.8 تريليون دولار أمريكي.

أما الإنفاق العسكري، فقد بلغ 2.887 تريليون دولار أمريكي في عام 2025، مسجلاً بذلك العام الحادي عشر على التوالي من الزيادة. إن توفير الغذاء للعالم بشكل مستدام لا يمثل سوى جزء ضئيل مما يُنفق في لمح البصر على شراء الشركات أو اقتناء الأسلحة.

خاصةً وأن التقاعس عن العمل مكلف للغاية، فبحسب البنك الدولي، يُدرّ كل دولار يُستثمر في مكافحة سوء التغذية عائدًا قدره 23 دولارًا، بينما قد يُكلّف التقاعس 41 تريليون دولار على مدى عشر سنوات. لكننا نُفضّل معالجة المشكلة القائمة، وانتظار إعلان المجاعة وظهور الكاميرات، بدلاً من اتخاذ تدابير وقائية. الجوع ليس مشكلة إنتاج، فالأرض تُوفّر غذاءً كافيًا للجميع. إنها مشكلة توزيع وإمكانية الوصول.

لنفترض اندلاع حرب، أو تهديد بنك بالانهيار، أو غيرها لتخرج مليارات الدولارات إلى الوجود في غضون أيام قليلة، أما في مواجهة الجوع، لا يوجد شيء.

يُظهر الانخفاض المتوقع للجوع في عام 2025 أن الحتمية ليست أمرًا مفروغًا منه، والمشكل ليس بسبب موارد، بل يبقى مسألة أخلاقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى