
أميمة حدري
فتح تصنيف المغرب ضمن المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول لسنة 2026، في المركز 63 عالميا من أصل 135 دولة، الباب أمام تقييم واقع هذه التكنولوجيا بالمملكة، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم.
المغرب لا يزال في بداية مسار بناء منظومة وطنية متكاملة للذكاء الاصطناعي
وفي هذا السياق، أوضح المأمون شفقي، الخبير في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن هذا التصنيف ينبغي قراءته في إطاره الصحيح، مبرزا أن المؤشر لا يقيس القدرات التقنية للدول أو حجم تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تطورها، وإنما يركز أساسا على مدى توفر السياسات العمومية، والأطر القانونية، والمؤسسات، وآليات الحكامة التي تضمن استعمال الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، تحترم الحقوق والحريات وتحمي المعطيات الشخصية وتحد من التحيز الخوارزمي.
وأضاف شفقي في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن تصدر المغرب لدول المنطقة في هذا المؤشر يعكس تقدما نسبيا على المستوى الإقليمي في مجالات الحكامة والاستعداد المؤسساتي، لكنه لا يعني انضمامه إلى مصاف الدول الرائدة عالميا في إنتاج تقنيات الذكاء الاصطناعي.
كما اعتبر أن حصول المملكة على 35.62 نقطة من أصل مائة يكشف في الوقت نفسه عن وجود هامش واسع للتطوير، خاصة فيما يتعلق بتحويل الاستراتيجيات المعلنة إلى إجراءات تنفيذية وآليات عملية للمراقبة والتقييم والمساءلة.
وسجل الخبير أن سنة 2026 شهدت إطلاق عدد من المبادرات التي تعكس تنامي الاهتمام الرسمي بالذكاء الاصطناعي، من أبرزها مبادرة “AI Made in Morocco”، التي تستهدف، وفق الأرقام الحكومية المعلنة، تحقيق قيمة مضافة تناهز 100 مليار درهم في الناتج الداخلي الخام بحلول سنة 2030، وتكوين 200 ألف خريج في المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب إحداث نحو 50 ألف منصب شغل مباشر في القطاع. مشيرا إلى أن هذه الأهداف تعكس مستوى عاليا من الطموح، غير أن تقييمها سيظل رهينا بما سيتحقق منها على أرض الواقع خلال السنوات المقبلة.
كما لفت مهندس المعلوميات، إلى أن برنامج التحول الرقمي للفترة الممتدة بين 2024 و2026 خصص استثمارات تناهز 11 مليار درهم لتطوير الرقمنة والبنيات التحتية المرتبطة بها، بما يشمل الحوسبة السحابية ومراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، فضلا عن الإعلان عن مشروع مركز بيانات ضخم بمدينة الداخلة يعتمد على الطاقات المتجددة، بهدف تعزيز قدرات تخزين ومعالجة البيانات ودعم السيادة الرقمية للمملكة.
ورغم هذه الدينامية، يرى شفقي أن المغرب لا يزال في بداية مسار بناء منظومة وطنية متكاملة للذكاء الاصطناعي، موضحا أن النجاح لن يقاس بحجم الاستراتيجيات المعلنة، وإنما بمدى قدرة البلاد على إنتاج شركات ناشئة مبتكرة، وبراءات اختراع، وحلول رقمية مغربية قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية.
وأشار إلى أن عددا من التحديات لا يزال قائما، من بينها الاعتماد الواسع على النماذج والمنصات الأجنبية، وغياب نموذج وطني واسع الانتشار للذكاء الاصطناعي، فضلا عن محدودية عدد الشركات المغربية القادرة على منافسة الفاعلين الدوليين. معتبرا أن كلفة الوصول إلى القدرات الحاسوبية المتقدمة ما تزال مرتفعة بالنسبة للجامعات والمقاولات الناشئة، في وقت لا تزال فيه البيانات العمومية مشتتة وغير مهيكلة أو غير متاحة بالشكل الكافي لخدمة البحث العلمي والابتكار.
وأضاف أن الإطار القانوني المنظم للذكاء الاصطناعي ما يزال في طور الإعداد، وهو ما يجعل عددا من القضايا المرتبطة بالمسؤولية القانونية، والشفافية الخوارزمية، وحماية المواطنين من التمييز أو الأخطاء الناتجة عن القرارات الآلية، في حاجة إلى معالجة تشريعية متكاملة تواكب التطورات المتسارعة في هذا المجال.
وأكد المتحدث نفسه أن المغرب يمتلك في المقابل مجموعة من نقاط القوة التي يمكن أن تشكل قاعدة لتطوير منظومة وطنية متقدمة، في مقدمتها توفره على كفاءات شابة ومهندسين وباحثين في مجالات علوم البيانات والتعلم الآلي، إلى جانب شبكة من الجامعات والمدارس العليا ومختبرات البحث التي بدأت تراكم خبرة في التخصصات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
التعدد اللغوي يمكن استثماره في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي
وأضاف أن الموقع الجغرافي للمملكة يمنحها مؤهلات للتحول إلى منصة إقليمية لتطوير الخدمات الرقمية وتصدير حلول الذكاء الاصطناعي نحو الأسواق الإفريقية والعربية والفرنكوفونية، كما أن وجود قطاعات اقتصادية متنوعة، من قبيل الصناعة والسيارات والطيران والفلاحة والطاقات المتجددة والسياحة والخدمات المالية واللوجستيك والإدارة العمومية، يوفر مجالات واسعة لتطوير تطبيقات عملية لهذه التكنولوجيا.
واعتبر أيضا أن التعدد اللغوي الذي يميز المغرب يمثل فرصة إضافية، إذ يمكن استثماره في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على التعامل بكفاءة مع العربية والدارجة والأمازيغية والفرنسية، بما يمنح المملكة ميزة تنافسية في تطوير حلول رقمية تستجيب لخصوصيات المنطقة.
وفي معرض حديثه عن الأولويات المستقبلية، شدد شفقي على أن بناء السيادة الرقمية يشكل المدخل الأساسي لتطوير ذكاء اصطناعي وطني، من خلال الاستثمار في البيانات المنظمة، والبنية السحابية، ومراكز البيانات، والحوسبة عالية الأداء، مع توفير هذه الإمكانات لفائدة الجامعات ومراكز البحث والمقاولات الناشئة، إلى جانب اعتماد سياسة وطنية واضحة لتدبير البيانات العامة والسيادية.
كما دعا إلى الاستثمار المكثف في الكفاءات والبحث العلمي، عبر إدراج علوم البيانات والبرمجة والتفكير الخوارزمي في مختلف مستويات التعليم، وتوسيع برامج التكوين المتخصص، وتشجيع المختبرات المشتركة بين الجامعات والقطاع الخاص، واستقطاب الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج، مع العمل على تحويل نتائج الأبحاث إلى منتجات وشركات وبراءات اختراع ذات قيمة اقتصادية.
وختم الخبير تصريحه بالتأكيد على ضرورة إرساء سوق وطنية للابتكار مقرونة بحكامة قانونية ملزمة، من خلال تشجيع الإدارات العمومية على اقتناء الحلول المغربية في مجالات الصحة والتعليم والفلاحة والإدارة والنقل والأمن السيبراني، بالتوازي مع وضع إطار تشريعي يصنف أنظمة الذكاء الاصطناعي بحسب درجة خطورتها، ويضمن الشفافية والتدقيق البشري وحماية المعطيات الشخصية وحقوق المواطنين عند استخدام الخوارزميات في القرارات المؤثرة على حياتهم.





