
المهدي سابق
خبر _ تتواصل التفاعلات مع قضية مقتل المواطن المغربي عبد الرحيم فكير بمدينة بولونيا الإيطالية، التي تحولت إلى قضية رأي عام داخل أوساط الجالية المغربية والمنظمات الحقوقية، في ظل استمرار التحقيقات القضائية، وتزايد المطالب بمحاسبة المسؤولين وكشف جميع ملابسات الوفاة.
وشهدت مدينة بريشا وقفة احتجاجية تحولت إلى مسيرة شاركت فيها فعاليات من المجتمع المدني، وهيئات سياسية، وجمعيات مناهضة للعنصرية ومساندة للمهاجرين، للتنديد بمقتل عبد الرحيم فكير والمطالبة بتحقيق العدالة.
وخلال الوقفة، اعتبر أحد المتحدثين باسم الجالية المغربية أن الواقعة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يتمثل، بحسب رأيه، في تصاعد الاعتداءات التي تستهدف المهاجرين بإيطاليا، مستعرضا عددا من الحوادث السابقة، من بينها مقتل مواطن مغربي بمدينة ديسينزانو سنة 2010، ومقتل مغربي بمدينة فوغيرا سنة 2021 على يد مستشار جماعي ينتمي إلى حزب “عصبة الشمال”، إضافة إلى مقتل مهاجر مغربي بمدينة ميلانو في وقت سابق من السنة الجارية.
وربط المتحدث هذه التطورات بصعود اليمين الإيطالي، معتبرا أن ملف الهجرة تحول إلى ورقة سياسية في الخطاب الانتخابي، وأن التشريعات الأخيرة المتعلقة بالأمن تثير مخاوف لدى المهاجرين بشأن احترام الحقوق والحريات. كما اعتبر أن ما وصفه بـ”عقلية الحرب” أصبح ينعكس على السياسات الأوروبية تجاه المهاجرين، محذراً من تنامي خطاب الكراهية والعنصرية، وشبه ما تعرض له عبد الرحيم فكير بقضية جورج فلويد في الولايات المتحدة، داعيا إلى توحيد جهود المجتمع المدني لمواجهة هذه التطورات، ومعلناً تنظيم مسيرة احتجاجية جديدة.
كما دعا المتحدث الدولة المغربية إلى الاضطلاع بدورها الكامل في حماية مواطنيها المقيمين بالخارج، مؤكدا أن الجالية لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها مصدرا للتحويلات المالية أو للكفاءات، بل باعتبارها مواطنين يتمتعون بحقوق تستوجب الحماية والدفاع.
وفي تطور رسمي، أكد وزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوزي أن القانون سيأخذ مجراه في قضية مقتل عبد الرحيم فكير، داعيا إلى عدم إصدار أحكام مسبقة على الشرطة أو النيابة العامة، أو الافتراض بأن رجال الأمن أو عناصر الإسعاف سيتمتعون بأي حماية من المتابعة القضائية. وشدد على أن التحقيقات لا تزال جارية، وأن القضاء الإيطالي وحده المخول بتحديد المسؤوليات في ضوء نتائجها، قبل أن يختتم تصريحه بتقديم تعازيه إلى أسرة الضحية.
وعلى المستوى الحقوقي، أصدرت التنسيقية الأوروبية من أجل حقوق الإنسان بيانا اعتبرت فيه مقتل عبد الرحيم فكير، يوم 19 يوليوز 2026 بمدينة بولونيا، “جريمة عنصرية جديدة تستوجب المحاسبة”، معتبرة أن الواقعة تأتي في سياق تصاعد خطابات الكراهية ونمو التيارات اليمينية المتطرفة، وما يرافق ذلك من تزايد الاعتداءات والانتهاكات التي تستهدف المهاجرين وتهدد أمنهم وكرامتهم وحقهم في الحياة.
وأكدت التنسيقية أن الدولة المغربية مطالبة بإيلاء ملف حماية الجالية المقيمة بالخارج أهمية أكبر، معتبرة أن حقوق المغاربة المقيمين بالخارج ينبغي أن تكون جزءا أساسيا من أولويات السياسة الخارجية، وليس فقط التعامل معهم باعتبارهم مصدرا للتحويلات المالية أو للكفاءات.
وطالبت السلطات الإيطالية بإجراء تحقيق مستقل ونزيه، وتقديم جميع المسؤولين عن الجريمة إلى العدالة إذا ثبتت مسؤوليتهم، بمن فيهم عناصر الأمن، مع ضمان عدم إفلات أي مسؤول من العقاب. كما دعت إلى التصدي بحزم لخطابات الكراهية والتحريض على العنصرية، واتخاذ التدابير الكفيلة بحماية المهاجرين من كل أشكال العنف والتمييز.
وفي المقابل، دعت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج إلى جعل حماية المواطنين المغاربة وسلامتهم بالخارج أولوية في العلاقات مع دول الاستقبال، وتحمل المسؤولية الكاملة في الدفاع عن حقوقهم وكرامتهم.
وفي تطور جديد، أعلنت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، في بلاغ صادر يوم الثلاثاء 21 يوليوز 2026، أنها تتابع ببالغ الانشغال الأحداث والوقائع التي أفضت إلى وفاة المواطن المغربي بمدينة بولونيا الإيطالية.
وأكدت الوزارة أنها طلبت من السلطات الإيطالية المختصة الإسراع بإجراء تحقيق شامل لكشف جميع الملابسات المحيطة بالوفاة، وتقديم التوضيحات اللازمة بشأن هذه الفاجعة، مع التشديد على ضرورة تحديد المسؤوليات وضمان التطبيق الكامل للإجراءات القانونية المطلوبة.
وأضاف البلاغ أن السلطات المغربية ستواصل متابعة هذا الملف عن كثب، في إطار حرصها الدائم على حماية مصالح المواطنين المغاربة المقيمين بالخارج، مشيراً إلى أنه تم توجيه تعليمات صارمة إلى السفارة المغربية بروما والقنصلية العامة المعنية لتتبع تطورات القضية ومواكبتها.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات القضائية، يواصل عدد من أفراد الجالية المغربية وفاعلين حقوقيين المطالبة بترتيب المسؤوليات القانونية كاملة، معتبرين أن التحقيق ينبغي أن يشمل جميع ظروف الواقعة، بما في ذلك تدخل عناصر الشرطة وطريقة تعامل طاقم الإسعاف، إذا خلصت التحقيقات إلى وجود تقصير في تقديم المساعدة لشخص كان في حالة خطر.
وتبقى قضية عبد الرحيم فكير محل متابعة واسعة داخل المغرب وإيطاليا، وسط تزايد الدعوات إلى كشف الحقيقة كاملة، وضمان محاسبة كل من تثبت مسؤوليته، بما يعزز الثقة في العدالة ويحفظ كرامة الضحية وحقوق المهاجرين.





