
مديحة المهادنة
كشف التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2025 أن تحقيق الإنصاف الإداري لم يعد رهيناً فقط بحسن تطبيق النصوص القانونية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بمدى قدرة الإدارة على استيعاب الخصوصيات المجالية التي تميز مختلف مناطق المملكة، بما يضمن تكافؤاً فعلياً في الولوج إلى الخدمات العمومية وجودة العلاقة بين المواطن والإدارة.
ويرى التقرير أن تحليل التظلمات الواردة على المؤسسة أظهر تفاوتات واضحة بين المجالات الترابية، سواء على مستوى شروط الاستفادة من الخدمات أو طبيعة الإشكالات التي تواجه المرتفقين، وهو ما يجعل اعتماد مقاربة موحدة لمعالجة الملفات غير كافٍ للإحاطة بمختلف الاختلالات التي تفرزها السياقات المحلية.
وفي هذا السياق، شددت المؤسسة على ضرورة تعزيز الحضور الترابي وتطوير آليات الإنصات الميداني، بما يسمح بفهم أدق للإكراهات التي تعيشها كل جهة، ورصد الإشكالات المرتبطة بالإدارة العمومية وفق خصوصياتها المجالية، بدل الاكتفاء بالمعالجة المركزية للملفات.
واعتبر التقرير أن إدماج البعد المجالي في قراءة التظلمات وصياغة التوصيات من شأنه أن يمنح الإدارة رؤية أكثر واقعية لمكامن الخلل، وأن يساعد على بلورة حلول تستجيب للحاجيات الفعلية للمواطنين، مع مراعاة الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية بين مختلف المناطق.
وفي المحور ذاته، أبرزت مؤسسة الوسيط أن العدالة المجالية أصبحت مكوناً أساسياً من مكونات الإنصاف الإداري، لأن الصعوبات التي يواجهها المرتفق لا ترتبط دائماً بالقانون أو بالإجراءات، بل كثيراً ما تعكس تأثير البيئة الإدارية المحلية، ومستوى القرب من المرافق العمومية، وكيفية تنزيل السياسات العمومية على أرض الواقع.
كما توقف التقرير عند قضية المساواة بين النساء والرجال باعتبارها ورشاً مؤسساتياً متكاملاً، موضحاً أن عدداً من التظلمات كشف استمرار وجود ممارسات أو مساطر قد تُحدث تمييزاً غير مباشر في الولوج إلى بعض الحقوق أو الخدمات، وهو ما يستدعي مراجعة الإجراءات الإدارية بما ينسجم مع مبادئ الإنصاف والمساواة ويضمن معاملة متكافئة لجميع المرتفقين.
ويعكس هذا التوجه، بحسب التقرير، انتقال مؤسسة وسيط المملكة من معالجة النزاعات الإدارية بعد وقوعها إلى مقاربة أكثر استباقية، تراهن على تشخيص الاختلالات المجالية والمؤسساتية واقتراح إصلاحات من شأنها تعزيز جودة المرفق العمومي وتقريب الإدارة من المواطن، بما يكرس مبادئ الحكامة الجيدة والعدالة الترابية في تدبير الشأن العام.




