
أميمة حدري
على امتداد الطريق الوطنية رقم 13، بين أرفود والريصاني، تبدو الصحراء في ظاهرها فضاء واسعا من الرمال والصخور التي لا تنطق بشيء. غير أن لافتة صغيرة على جانب الطريق تكفي لتغيير هذه الصورة بالكامل، إذ تقود الزائر إلى مكان تختلط فيه الجغرافيا بالتاريخ، ويتحول فيه الصمت إلى حكاية عمرها مئات ملايين السنين.
هنا، لا يتحدث الدليل عن ملوك أو حضارات أو قصور تاريخية، بل عن بحار اندثرت، وكائنات بحرية انقرضت، وديناصورات جابت هذه الأرض قبل أن يصبح الإنسان جزءا من تاريخها.
على بعد حوالي أحد عشر كيلومترا من مدينة أرفود، ينتصب متحف الطاهيري للمستحاثات والديناصورات وسط محيط صحراوي هادئ، ليقدم تجربة مختلفة عن الصورة النمطية للسياحة في الجنوب الشرقي للمغرب.

ومنذ اللحظة الأولى لدخول المتحف، يدرك الزائر أنه أمام رحلة لا تشبه أي زيارة لموقع سياحي تقليدي، بل أمام نافذة مفتوحة على ذاكرة الأرض، حيث تختزن الصخور أدلة حية على عصور جيولوجية تعود إلى مئات الملايين من السنين.
داخل قاعات العرض، تصطف عشرات القطع بعناية، وتتنوع بين مستحاثات بحرية، وهياكل عظمية لديناصورات، ونيازك، ومعادن نادرة، في مشهد يجعل الزائر ينتقل ذهنيا بين حقب زمنية متباعدة، تبدأ من تشكل القشرة الأرضية ولا تنتهي إلا عند العصر الحديث. وبين كل قطعة وأخرى، يكتشف الزائر أن الصحراء التي يقف عليها اليوم لم تكن دائما بهذا الشكل، بل كانت في زمن بعيد جزءا من قاع محيط شاسع يعج بالحياة البحرية.
هذه الحقيقة لا تقدمها الكتب العلمية وحدها، بل تؤكدها آلاف الحفريات التي تزخر بها المنطقة، والتي تحولت إلى شواهد ملموسة داخل المتحف. فهناك مستحاثات ثلاثية الفصوص، أو ما يعرف علميا بـ”التريلوبايت”، وهي من أقدم الكائنات البحرية التي عاشت على سطح الأرض، وتعود بعض نماذجها إلى أكثر من 500 مليون سنة.
وإلى جانبها تعرض مستحاثات الأمونيت ذات الشكل الحلزوني، والبطنقدميات، وعضديات الأرجل، وزنابق البحر، وهي كلها كائنات تؤكد أن هذه الربوع الصحراوية كانت يوما بيئة بحرية نابضة بالحياة.
ولا تقتصر الرحلة على الكائنات البحرية القديمة، بل تمتد إلى عالم الديناصورات التي تركت بدورها بصمتها في الأراضي المغربية. ففي إحدى زوايا المتحف، تستوقف الزائر بقايا عظمية لديناصورات اكتشفت بمناطق مختلفة من المملكة، من بينها عينات مرتبطة بالأطلسوروس، الذي ارتبطت اكتشافاته بمنطقة إميلشيل، إضافة إلى أجزاء تعود للسبينوصور، أحد أكبر الديناصورات المفترسة التي عاشت خلال العصر الطباشيري، والذي جعل من المغرب أحد أهم المواقع العالمية لدراسة هذا النوع.

ويقول عز الدين خياوي، المسؤول عن المتحف، إن هذا الفضاء لم يولد كمشروع استثماري أو مؤسسة علمية منذ البداية، بل انطلق من شغف شخصي بجمع المستحاثات التي كانت تسترعي اهتمامه منذ سنوات طويلة. ويوضح أن الهواية تحولت تدريجيا، خلال نهاية تسعينيات القرن الماضي، إلى مشروع منظم يهدف إلى عرض هذه الكنوز الطبيعية أمام العموم، والتعريف بالغنى الجيولوجي الذي يزخر به المغرب.
ويؤكد أن ما يمنح المتحف خصوصيته هو أن جميع المعروضات مصدرها التراب المغربي، إذ جرى جمعها من مناطق مختلفة، خاصة الجنوب الشرقي، ما يجعل المتحف بمثابة واجهة للتعريف بالثروة الطبيعية الوطنية، وبالدور الذي لعبته الأراضي المغربية في حفظ صفحات مهمة من تاريخ الأرض.
وبين الحفريات المعروضة، تستوقف الزائر أيضا مجموعة من النيازك التي سقطت في المنطقة، بعضها يحمل أشكالا وألوانا مختلفة، ويمنح المتحف بعدا آخر يتجاوز تاريخ الأرض نحو تاريخ الكون نفسه.
وإلى جانبها تعرض معادن متنوعة مثل الفانادينيت والكوارتز والكالسيت والجبس والأميتيست، لتكتمل بذلك صورة مكان يجمع بين علوم الأرض والفضاء في آن واحد.
ولا يخفي القائمون على المتحف أن السياحة العلمية لا تزال في حاجة إلى مزيد من الاهتمام، رغم ما تحققه من إقبال متزايد، خاصة خلال فصل الشتاء، حيث تستفيد المنطقة من اعتدال المناخ وتوافد السياح الأجانب والمهتمين بالجيولوجيا والطبيعة.
أما خلال أشهر الصيف، فتتراجع الحركة بشكل ملحوظ بسبب الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، قبل أن تستعيد المنطقة نشاطها مع حلول الخريف وبداية الموسم السياحي.
ويشير المسؤول عن المتحف إلى أن السياح الأجانب كانوا من أوائل المهتمين بهذا النوع من الوجهات، بالنظر إلى انتشار الثقافة العلمية في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، حيث يصل كثير منهم إلى أرفود وهم على معرفة مسبقة بالقيمة الجيولوجية للمنطقة.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت، بحسبه، تطورا لافتا في الإقبال الداخلي، مع تزايد عدد الرحلات الجامعية والزيارات المدرسية، فضلا عن اهتمام المغاربة باكتشاف هذا الجانب من تراث بلادهم.
وتكشف تجربة متحف الطاهيري أن الصحراء المغربية لا تختزن فقط مقومات السياحة الصحراوية التقليدية، بل تمتلك أيضا مؤهلات كبيرة لتطوير سياحة علمية وثقافية قادرة على استقطاب الباحثين والطلبة والمهتمين بتاريخ الأرض.

فكل مستحاثة معروضة داخل المتحف ليست مجرد قطعة حجرية، وإنما وثيقة طبيعية تحمل معلومات عن المناخ القديم، وتحركات القارات، وتطور الكائنات الحية، والتحولات الكبرى التي عرفها كوكب الأرض عبر ملايين السنين.
ومع نهاية الجولة، يغادر الزائر المكان وقد تغيرت نظرته إلى الجنوب الشرقي للمغرب. فالصحراء التي بدت في البداية فضاء صامتا تتحول إلى كتاب جيولوجي مفتوح، تروي صفحاته قصة محيط اختفى، وكائنات بحرية انقرضت، وديناصورات جابت هذه الأرض قبل ملايين السنين، ونيازك قطعت مسافات هائلة في الفضاء لتستقر فوق التراب المغربي.
وبين الماضي السحيق والحاضر، يواصل متحف الطاهيري أداء رسالته في حفظ هذه الذاكرة الطبيعية، وتعريف الأجيال بها، والدعوة إلى تثمينها باعتبارها جزءا من التراث العلمي والثقافي للمملكة، ورافعة واعدة لتنمية سياحة تقوم على المعرفة والاكتشاف، بقدر ما تقوم على متعة السفر.




