عندما يتحول الابتزاز الرقمي إلى “گريساج” إلكتروني

إعلام تيفي – الرباط

يفهم المغاربة جيدًا معنى “الگريساج”. ففي الشارع، هو اعتداء سافر يواجه فيه الضحية شخصًا يشهر سلاحًا أبيض وينتزع منه ما يملك تحت وطأة الخوف. أما في الفضاء الرقمي، فقد وُلدت نسخة أكثر خبثًا وأقل ضجيجًا، لكنها لا تقل خطورة في جوهرها؛ “گريساج” إلكتروني لا تُرفع فيه السكاكين، بل تُشهر فيه الروابط، ولا يُطارد فيه المارة، بل تُستهدف السمعة.

بعض المنابر التي عجزت عن صناعة جمهور، وأخفقت في بناء رصيد من الثقة والمصداقية، لم تجد سوى هذا المسلك المختل لتفرض وجودها. فهي لا تستثمر في تحقيق صحفي، ولا في سبق مهني، ولا في محتوى يحترم عقل القارئ، بل تراهن على وصفة واحدة: مقال مليء بالإيحاءات والتلميحات والاتهامات، يعقبه إرسال رابطه مباشرة إلى الضحية عبر تطبيق “واتساب”، وكأن الرسالة الخفية تقول: “لقد نشرنا ما يكفي لإقلاقك… والباقي ثمنه معلوم.”

إنها ليست صحافة، بل محاولة لابتزاز مغلفة بورق الخبر.

فالصحفي الحقيقي ينشر لأنه يمتلك معلومة تهم الرأي العام، ويواجه بالحجة والوثيقة، ويمنح حق الرد، ويحتكم إلى أخلاقيات المهنة والقانون. أما المبتز فلا يبحث عن الحقيقة، بل عن الحلقة الأضعف؛ لا يهمه إن كانت الوقائع صحيحة أو زائفة، ولا يعنيه أثر ما يكتب على الأفراد أو المؤسسات، لأن غايته ليست الإخبار، وإنما خلق حالة من الذعر تمهد للمساومة.

ولعل أكثر ما يفضح هذا النموذج أنه لا ينتظر تفاعل الجمهور مع مادته، لأنه يدرك مسبقًا أن لا أحد يقرأها. لذلك يتكفل بنفسه بتسويقها، فيبعثها إلى الشخص المستهدف، لا ليثير نقاشًا عامًا، بل ليضمن وصول التهديد إلى عنوانه الصحيح. وهنا تسقط كل الأقنعة، لأن الخبر الذي يحتاج صاحبه إلى مطاردة ضحيته برابطه ليس خبرًا، بل ورقة ضغط.

المفارقة المؤلمة أن أصحاب هذا الأسلوب يتحدثون باسم الصحافة، بينما هم يسيئون إليها أكثر مما يسيئون إلى ضحاياهم. فالصحافة سلطة أخلاقية قبل أن تكون سلطة رقابية، ورسالتها حماية المجتمع بالحقيقة، لا إرهابه بالإشاعة، ولا تحويل الكلمة إلى وسيلة للإكراه، أو المقال إلى فاتورة غير معلنة.

ولو أن هذه المنابر استثمرت الجهد الذي تبذله في نصب الكمائن الرقمية في تطوير محتواها، أو احترام قواعد المهنة، أو كسب ثقة القراء، لكان لها مكان داخل المشهد الإعلامي. غير أن من يختار الطريق القصير نحو المال، يفقد الطريق الطويل نحو الاحترام. والمصداقية لا تُبتز، والثقة لا تُشترى، والسمعة المهنية لا تُبنى على الخوف.

وإذا كان المجتمع يرفض “گريساج” الشوارع لأنه يهدد أمن المواطنين، فمن باب أولى أن يرفض “الگريساج” الرقمي الذي يعتدي على السمعة والاعتبار تحت لافتة الصحافة. فالابتزاز يبقى ابتزازًا، سواء حمل صاحبه سكينًا في زقاق مظلم، أو حمل هاتفًا يرسل رابط مقال في ساعة متأخرة من الليل.

وليعلم هؤلاء أن زمن الإفلات من المساءلة لم يعد كما كان. فالقوانين التي تحمي حرية الصحافة هي نفسها التي تجرّم الابتزاز والتشهير وسوء استعمال وسائل الاتصال. ومن يخلط بين حرية التعبير وحرية الابتزاز، إنما يكشف جهله بالقانون قبل أن يكشف سقوطه المهني.

ويبقى الإعلام الحقيقي عصيًا على السقوط، لأنه يقوم على المصداقية لا على المقايضة، وعلى الثقة لا على الترهيب، وعلى خدمة الحقيقة لا على صناعة الضحايا. أما أولئك الذين استبدلوا رسالة الصحافة بتجارة الخوف، فلن يحصدوا سوى عزلة مهنية تتسع يومًا بعد يوم، لأن القارئ أصبح أكثر وعيًا، وأقدر على التمييز بين من يحمل القلم دفاعًا عن الحقيقة، ومن يشهره طلبًا للغنيمة.

ولنا عودة صديقي..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى