
المهدي سابق
خبر _ في خطوة تعكس الدور الذي يمكن أن تضطلع به صناديق التكافل في حماية المحامين خلال الأزمات، قررت هيئة المحامين بمكناس صرف دعم مالي استثنائي لفائدة أعضائها للتخفيف من الخسائر التي تكبدوها جراء التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، وذلك من خلال تعبئة موارد صندوق التكافل الاجتماعي.
وجاء القرار خلال الاجتماع الدوري لمجلس الهيئة، المنعقد برئاسة النقيب عبد الرزاق شافي، حيث تمت المصادقة بالإجماع على تخصيص منحة بقيمة 10 آلاف درهم لفائدة كل محام ممارس، و5 آلاف درهم لفائدة المحامين المتمرنين، على أن يتم تمويل هذه العملية من موارد صندوق التكافل الاجتماعي، مع تخصيص دعم استثنائي من حساب التسيير لضمان صرف هذه المنح. كما ربطت الهيئة الاستفادة من هذا الدعم بالالتزام بأداء واجب التكافل الاجتماعي.
وتفاعلا مع هذه الخطوة، أكد النقيب السابق لهيئة المحامين بالدار البيضاء، حسي، في تصريح لـ”إعلام تيفي”، أن تجربة هيئة مكناس تؤكد عمليا أهمية وجود صناديق التكافل داخل هيئات المحامين، باعتبارها آلية تضامنية تمكن من مواكبة الأعضاء في الظروف الاستثنائية، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من الهيئات بالمغرب راكم تجربة مهمة في هذا المجال
وأوضح حسي أن أغلب هيئات المحامين تعتمد نظاما لتمويل صناديق التكافل يقوم على اقتطاع نسبة من الودائع أو الأتعاب، موضحاً أن هذه النسب تختلف من هيئة إلى أخرى، إذ تعتمد بعض الهيئات نسبة 25 في المائة، بينما تكتفي هيئات أخرى بنسبة 20 في المائة أو 15 في المائة، حسب الإمكانيات وطبيعة كل هيئة، مؤكداً أن هذا النظام التضامني أثبت نجاعته في توفير موارد مالية تسمح بمساندة المحامين عند الحاجة.
وأضاف أن الهيئات الصغيرة لا تعاني من الإشكالات نفسها التي تعرفها الهيئات الكبرى، غير أن هيئة المحامين بالدار البيضاء، رغم كونها أكبر هيئة للمحامين بالمغرب، لا تتوفر إلى اليوم على صندوق للتكافل، وهو ما اعتبره نقطة ضعف حقيقية تهدد مستقبلها المالي.
وقال حسي إن الدار البيضاء تبدو اليوم أكبر هيئة من حيث عدد المحامين، لكنها مهددة، إذا استمر الوضع على حاله، بأن تتحول إلى “أفقر هيئة” بالمغرب، بسبب غياب نظام تضامني يمكنه أن يخفف من الأعباء المالية التي تواجهها الهيئة وأعضاؤها.
وكشف النقيب السابق أنه سبق أن طرح، خلال فترة توليه مسؤولية النقيب ما بين سنتي 2015 و2017، مشروعا لإحداث صندوق للتكافل داخل هيئة الدار البيضاء، غير أن هذا المقترح قوبل بالرفض بدعوى أنه “غير مشروع”، مضيفا أن السنوات أثبتت صحة ذلك المقترح، وأن الجميع أدرك اليوم، وبعد فوات الأوان، أن الهيئة كانت في حاجة إلى هذا الصندوق منذ ذلك الوقت.
وأشار إلى أن عددا من الهيئات الأخرى نجحت في اعتماد هذا النموذج التضامني، من بينها هيئات بني ملال وفاس ومكناس، مؤكدا أن هذه الهيئات لا تكتفي فقط بصرف المساعدات الاجتماعية، حتى اْن بعضها طور خدمات صندوق التكافل ليشمل حتى التأمين عن حوادث السير لفائدة المحامين، وهو ما يعكس نجاح التجربة ويبرز أهمية التضامن المهني.
وأضاف أن هيئة الرباط شرعت بدورها في محاولة اعتماد هذا النظام، معتبرا أن التجربة لا تزال في بدايتها، ولم يتضح بعد مدى قدرتها على صرف التعويضات والاستجابة لانتظارات المحامين، غير أن مجرد التوجه نحو إحداث صندوق للتكافل يعكس إدراكا متزايدا لأهمية هذه الآلية.
وفي معرض حديثه عن الوضعية المالية لهيئة الدار البيضاء، أوضح حسي أن الهيئة تواجه تحديات مالية كبيرة، من بينها التزامات سنوية لفائدة التعاضدية تصل إلى أربعة مليارات و200 مليون سنتيم، وهو مبلغ يشكل عبئاً مالياً ثقيلاً في ظل محدودية الموارد المتوفرة.
وأضاف أن مداخيل الهيئة تبقى محدودة، إذ تعتمد أساسا على رسوم تسجيل المحامين المتمرنين، ومداخيل الدمغة، إضافة إلى واجبات الاشتراك، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من المحامين لا يلتزم بأداء هذه الاشتراكات، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الوضعية المالية للهيئة ويحد من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
وشدد النقيب السابق على أن التجارب التي راكمتها هيئات أخرى تثبت أن نظام التكافل ليس مجرد خيار تنظيمي، بل هو ركيزة أساسية لضمان التضامن بين المحامين ومواجهة الأزمات المالية والمهنية، داعيا إلى الاستفادة من هذه التجارب الناجحة بدل الاستمرار في غياب آلية تضامنية داخل أكبر هيئة للمحامين بالمغرب.
وختم حسي تصريحه بالتأكيد على أن استمرار غياب صندوق للتكافل داخل هيئة المحامين بالدار البيضاء لن يقود إلى أي نتيجة إيجابية، محذرا من أن الأزمة المالية ستتفاقم إذا لم يتم إرساء نظام تضامني مماثل لما هو معمول به في عدد من الهيئات، وعلى رأسها هيئة مكناس التي قدمت، من خلال قرارها الأخير، نموذجا عمليا لكيفية توظيف صندوق التكافل في دعم المحامين عند الأزمات.





