أرحموش يفجر ملف الأمازيغية: لجنة مجمدة منذ 2021 وأعوان «يمسحون المراحيض» بأموال صندوق التفعيل

المهدي سابق

خبر _ فتح المحامي والناشط الحقوقي أحمد أرحموش، خلال مشاركته في فعاليات مهرجان «ثويزا» بطنجة، مواجهة نقدية مع حصيلة الحكومة والبرلمان في مجال تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، معتبرا أن الاعتراف الدستوري والقانوني باللغة الأمازيغية لم يتحول بعد إلى ممارسة مؤسساتية فعلية، وأن ما وصفه بـ«الكراهية المؤسساتية» ما يزال يعرقل تنزيل هذا الورش.

وقال أرحموش إن الخطاب الرسمي بشأن الأمازيغية يصطدم، بحسب تقييمه، بواقع إداري وسياسي يفرغ المكتسبات الدستورية من مضمونها، مستندا إلى معطيات قال إنها واردة في تقرير أعده فريق عمل متخصص، يرتقب أن يصدر بشكل كامل خلال شهر شتنبر المقبل.

وأوضح أن الأمازيغية لم تحظ خلال الولاية التشريعية الحالية بالاهتمام الذي يفترض أن تفرضه مكانتها الدستورية، مشيراً إلى أن 17 نائبا فقط من أصل 395 برلمانياً تقدموا بأسئلة شفوية أو كتابية مرتبطة بالأمازيغية، موزعين بين جهات سوس ومكناس-تافيلالت والحسيمة-تطوان والشرق.

وبحسب الأرقام التي عرضها، لم تتجاوز الأسئلة الكتابية المرتبطة بالأمازيغية 129 سؤالاً من أصل 31 ألفاً و262 سؤالاً، أي ما يقارب 0.2 في المائة، فيما لم يتعد عدد الأسئلة الشفوية 67 سؤالاً من أصل 1880 سؤالاً، بنسبة تقارب 0.1 في المائة.

وأضاف أن الحكومة لم تتفاعل، وفق المعطيات التي قدمها، سوى مع 92 جواباً من أصل 196 سؤالاً كتابياً وشفوياً، معتبراً أن معظم الأجوبة بقيت في مستوى العموميات ولم تتحول إلى إجراءات عملية على أرض الواقع.

وسجل أرحموش، في السياق ذاته، ما اعتبره مفارقة سياسية، تتمثل في غياب أي مبادرة من نواب اليسار البرلماني لطرح أسئلة مرتبطة بالأمازيغية، مقابل تسجيل حضور أكبر لهذا الملف لدى أحزاب اليمين والوسط، إضافة إلى حزب العدالة والتنمية الموجود حالياً في المعارضة.

وعلى المستوى التشريعي، أشار إلى أن البرلمان صادق خلال الولاية الحالية على 202 قانون عادي، في حين لم يرتبط بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية سوى ثلاثة قوانين، معتبراً أن هذه الحصيلة لا تعكس، في نظره، المكانة التي يفترض أن تحتلها الأمازيغية باعتبارها لغة رسمية إلى جانب العربية بموجب الدستور.

وانتقد أرحموش كذلك مقترح فريق الحركة الشعبية الرامي إلى تمديد أجل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية إلى سنة 2026، معتبراً أن مجرد طرح هذا التمديد يمثل، بحسب قراءته، إقراراً ضمنياً بعدم احترام الأجل المحدد سابقا في سنة 2024.

وفي قطاع التربية الوطنية، انتقد أرحموش الأرقام الرسمية المتعلقة بتعميم تدريس الأمازيغية، معتبراً أنها لا تعكس حجم الاستفادة الفعلية للتلاميذ داخل المؤسسات التعليمية.

وأوضح أن الوزارة تتحدث عن بلوغ نسبة تغطية تقارب 40 في المائة من المؤسسات التعليمية، بما يناهز 3400 مؤسسة من أصل حوالي 7000، بينما لا يتجاوز عدد المستفيدين فعلياً، بحسب المعطيات التي قدمها، مليونا و380 ألف تلميذ من أصل نحو 5.4 ملايين تلميذ بالتعليم الابتدائي.

ويرى أرحموش أن هذا التفاوت يعود إلى طريقة احتساب التغطية، موضحاً أن الوزارة تحتسب المؤسسة التعليمية ضمن المؤسسات التي تدرس الأمازيغية بمجرد تكليف أستاذ واحد بالإشراف على مجموعة مدارس، وهو ما يؤدي، بحسب تعبيره، إلى تضخيم النسب المعلنة دون أن يعني ذلك استفادة جميع التلاميذ من تدريس المادة.

غير أن أكثر جوانب مداخلته إثارة تمثل في حديثه عن لجنة التتبع والمراقبة المنصوص عليها في القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، والتي قال إنها أصبحت عنواناً لما وصفه بـ«الجمود المؤسساتي».

وأوضح أن اللجنة ليست مجرد هيئة استشارية، بل آلية قانونية نصت عليها المادة 31 من القانون التنظيمي، وأسندت إليها مهمة تتبع ومراقبة مدى التزام القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية بتنزيل مقتضيات تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

لكن المفارقة، بحسب أرحموش، أن هذه اللجنة لم تعقد أي اجتماع منذ إحداثها في أبريل 2021، أي أنها ظلت مجمدة طوال الولاية الحكومية الحالية إلى حدود سنة 2026.

واعتبر أن غياب اجتماعات اللجنة لا يمكن اختزاله في مجرد تأخر إداري، بل يؤدي عمليا إلى تعطيل إحدى أهم الآليات التي وضعها المشرع لضمان تنفيذ القانون ومراقبة مدى احترام الإدارات والمؤسسات العمومية لالتزاماتها تجاه الأمازيغية.

وأشار إلى أن مسؤولية تفعيل اللجنة12 تقع على عاتق الحكومة، خاصة أنها تتوفر على ميزانية مخصصة لمواكبة مهام التتبع والتقييم، غير أن هذه الموارد، بحسب قوله، لم تنعكس في شكل اجتماعات منتظمة أو تقارير دورية ترصد مستوى تقدم تنزيل الأمازيغية في مختلف القطاعات.

ورأى أرحموش أن تعطيل اللجنة انعكس سلبا على مسار التفعيل، لأنه أدى إلى غياب حصيلة رسمية شاملة لتقييم السياسات العمومية المرتبطة بالأمازيغية، في الوقت الذي اضطر فيه الفاعلون المدنيون إلى إنجاز عمليات الرصد وجمع المعطيات للكشف عن مكامن الخلل في مجالات التعليم والإدارة والتشريع.

وانتقد كذلك ما اعتبره تفاوتا في تعامل القطاعات الحكومية مع الملف، معتبراً أن غياب آلية فعالة للتتبع والمراقبة فتح المجال أمام مقاربات وصفها بالارتجالية في تنزيل الالتزامات القانونية المتعلقة بالأمازيغية.

وفي السياق ذاته، أثار أرحموش وضعية 494 عونا جرى توظيفهم عبر شركات مناولة للقيام بمهام الترجمة والتوجيه داخل الإدارات العمومية، مشيراً إلى أن 135 منهم، وفق المعطيات التي قدمها، يتم تكليفهم بمهام لا علاقة لها باختصاصاتهم، من بينها الحراسة وأعمال النظافة.

واعتبر أن هذه الوضعية تطرح سؤالا أساسيا حول طبيعة تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية، موضحا أن المطلوب ليس فقط الاستعانة بمترجمين داخل الإدارات، وإنما أن تصبح الإدارة نفسها قادرة على تقديم خدماتها باللغة الأمازيغية بواسطة موظفين مؤهلين، بما يجعل استعمال اللغة جزءاً من الخدمة العمومية وليس خدمة إضافية تقدم عبر وسطاء.

كما انتقد أرحموش أداء مؤسسات الحكامة المعنية بتتبع السياسات العمومية في هذا المجال، مشيراً إلى أن عشر مؤسسات لم تبادر، خلال الولاية الحالية، إلى إصدار مقترحات أو تقارير أو توصيات مرتبطة بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، معتبراً أن ذلك يعكس استمرار حالة «الجمود المؤسساتي».

ودعا في ختام مداخلته الحركة الأمازيغية إلى تطوير أدوات وأساليب الترافع، والانتقال من الخطاب والمطالب العامة إلى اعتماد المعطيات الرقمية والحجج القانونية في تقييم أداء المؤسسات العمومية ومساءلتها بشأن مدى تنفيذ الالتزامات الدستورية.

كما دعا، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، إلى إخضاع حصيلة الأحزاب السياسية في ملف الأمازيغية للتقييم على أساس مؤشرات موضوعية، بدل الاكتفاء بالشعارات والوعود، مؤكدا أن تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية لم يعد مجرد مطلب سياسي أو ثقافي، وإنما مسؤولية دستورية وقانونية تقع على عاتق الدولة ومؤسساتها.

وبين لجنة لم تجتمع منذ سنوات، وأرقام برلمانية محدودة، وفجوة بين نسب التغطية التعليمية والاستفادة الفعلية، وأعوان يفترض أن يساهموا في الترجمة والتوجيه فإذا ببعضهم يجد نفسه مكلفاً بالحراسة والنظافة، يخلص أرحموش إلى أن الاختبار الحقيقي للأمازيغية لم يعد في الاعتراف بها داخل النصوص، بل في قدرة المؤسسات على تحويل هذا الاعتراف إلى حق يومي يلمسه المواطن داخل المدرسة والإدارة والبرلمان ومختلف مرافق الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى