تقرير حقوقي يرصد اختلالات سوق الماشية.. أسعار الأضاحي ترتفع بما يصل إلى 1300 درهم

إعلام تيفي

بلاغ_ أعاد تقرير حديث أنجزته العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان فتح ملف سوق الماشية بالمغرب، مسلطاً الضوء على مجموعة من الاختلالات التي يقول إنها ساهمت في الارتفاع الكبير لأسعار الأغنام والماعز، خصوصاً خلال الفترة التي سبقت عيد الأضحى لسنة 2026.

ورصدت لجنة الرصد والتوثيق التابعة للعصبة، وفق المعطيات التي تضمنها التقرير، ارتفاعاً لافتاً في أسعار الأضاحي مقارنة بالمواسم السابقة، إذ تراوح ثمن الأضاحي الصغيرة خلال ماي 2026 بين 2500 و3000 درهم، بزيادة تتراوح بين 700 و1300 درهم مقارنة بموسم 2024.

واعتبر التقرير أن هذا الارتفاع لم يكن مجرد تغير عادي في الأسعار، بل انعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر المغربية، ولا سيما الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، التي وجدت نفسها أمام أسعار تفوق إمكانياتها، ما دفع عدداً منها إلى التخلي عن ذبح الأضحية خلال عيد الأضحى.

واعتمدت العصبة في إعداد تقريرها على رصد التصريحات الرسمية المتعلقة بالقطيع الوطني والأسعار والعرض، وتحليل النقاش العمومي والمعطيات المتداولة في السوق، إلى جانب استحضار الإطار الدستوري والقانوني المرتبط بحرية الأسعار والمنافسة وحماية المستهلك، فضلاً عن مواقف المؤسسات التشريعية والوطنية المعنية.

ومن بين أبرز الملاحظات التي سجلها التقرير ما وصفه بتضارب المعطيات الرسمية بشأن حجم القطيع الوطني. فقد أشار إلى أن وزير الفلاحة تحدث، في أواخر دجنبر من السنة الماضية، عن قطيع يتجاوز 32 مليون رأس، قبل أن تعلن وزيرة المالية، بعد شهرين، عن رقم يفوق 40 مليون رأس، فيما قدم رئيس الحكومة لاحقاً تقديراً يتراوح بين 32 و40 مليون رأس من الأغنام والماعز.

وترى العصبة أن هذا التباين في الأرقام لا يقتصر أثره على النقاش السياسي، بل ينعكس كذلك على السوق نفسها، لأنه يضع الفاعلين الاقتصاديين، من مربين وتجار، أمام حالة من عدم اليقين ويصعب عليهم اتخاذ قرارات استثمارية وتجارية مبنية على معطيات دقيقة.

وانتقد التقرير، في هذا السياق، ما اعتبره إخضاع المعطيات المتعلقة بالقطيع لمنطق سياسي وانتخابي، معتبراً أن النقاش العمومي حول الموضوع غلبت عليه أحياناً لغة الإنجاز والمزايدات، بدل تقديم صورة دقيقة وشفافة عن واقع قطاع تربية الماشية وحجم العرض الحقيقي.

وفي مقابل تضارب الأرقام، توقف التقرير عند استمرار حضور الوسطاء والسماسرة، المعروفين محلياً بـ”الشناقة” أو “الفراقشية”، في سلسلة تسويق الماشية، معتبراً أن هذه الظاهرة، المتجذرة في بنية السوق، ازدادت حدة خلال الظرفية الحالية.

وبحسب التقرير، فإن الوسطاء يساهمون في توسيع الفارق بين السعر الذي يبيع به المربي وسعر البيع النهائي للمستهلك، إذ يجد المربي نفسه في حالات كثيرة مضطراً إلى بيع مواشيه بأسعار لا تغطي حتى تكاليف الإنتاج، بينما يصل المنتج إلى المستهلك بسعر مرتفع يفوق قدرته الشرائية.

كما سجلت العصبة ما وصفته بـ”القصور الكبير” في منظومة المراقبة والتدخل الاستباقي التي تعتمدها السلطات العمومية، معتبرة أن ضعف آليات التتبع والمراقبة يتيح استمرار عدد من الاختلالات داخل السوق ويحد من قدرة السلطات على التدخل قبل تفاقم الأزمة.

وفي ما يتعلق بالدعم العمومي الموجه إلى قطاع الماشية، شكك التقرير في مدى نجاعة البرامج التي اعتمدتها الحكومة خلال السنوات الأخيرة، مشيراً خصوصاً إلى الدعم الممنوح للمستوردين، والذي بلغ 500 درهم عن كل رأس مستورد، إلى جانب الإعفاءات الضريبية والجمركية.

وقالت العصبة إن هذه الإجراءات لم يظهر أثرها، وفق المعطيات التي رصدتها، في الأسعار التي واجهها المستهلك المغربي، إذ لم تؤدِ إلى انخفاض ملموس، بل تزامنت مع استمرار ارتفاع أسعار الأضاحي.

وترى الهيئة الحقوقية أن غياب أثر واضح للدعم على السعر النهائي يفرض طرح أسئلة حول طريقة تدبير هذه البرامج، ومدى وصول الدعم إلى المستهدفين منه، محذرة من إمكانية تحول المال العام إلى مصدر ريع اقتصادي يستفيد منه كبار المستوردين والفاعلين في السوق، دون أن ينعكس بالقدر المطلوب على المربي أو المستهلك.

وانطلاقاً من هذه الملاحظات، دعت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى فتح مراجعة شاملة ومستقلة لجميع برامج الدعم العمومي التي استفاد منها قطاع تربية الماشية خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الدعم المباشر الممنوح للمستوردين، والإعفاءات الضريبية والجمركية، فضلاً عن البرامج الموجهة إلى صغار ومتوسطي المربين.

كما طالبت بتعزيز الشفافية في تدبير المعلومات المرتبطة بالقطاع، داعية وزارة الفلاحة والمؤسسات المعنية إلى نشر معطيات دقيقة ومحيّنة ومفصلة حول حجم القطيع الوطني وتوزيعه حسب الأنواع والمناطق، إلى جانب بيانات الاستيراد والتصدير وتكاليف الإنتاج الفعلية وتوقعات العرض والطلب.

وبالنسبة إلى العصبة، فإن معالجة أزمة سوق الماشية لا يمكن أن تقتصر على التدخلات الظرفية قبيل عيد الأضحى، بل تقتضي إصلاحاً أعمق لمنظومة الإنتاج والتسويق والمراقبة والدعم، بما يضمن حماية المربي من اختلالات السوق، ويحد من هوامش المضاربة والوساطة، ويعيد للمستهلك القدرة على الولوج إلى السوق بأسعار أكثر انسجاماً مع قدرته الشرائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى