عامل التوصيل يختزل سمعة التاجر في دقيقة عند باب الزبون

بشرى عطوشي

رأي- لم تعد التجارة الإلكترونية في المغرب تعرف بعدد الطلبات التي تُنجز، ولا بحجم المبيعات التي تحققها المنصات والمتاجر الرقمية، بل أصبحت تُقاس أيضًا بلحظة تبدو عابرة، لكنها قد تصنع نجاح التاجر أو انهيار سمعته؛ لحظة يطرق فيها عامل التوصيل باب الزبون. ففي تلك الثواني القصيرة، لا يرى المستهلك صاحب المتجر ولا فريقه ولا جودة تدبيره، بل يرى الشخص الذي يحمل الطرد، ويتعامل معه على أنه الممثل الفعلي للتاجر.

غير أن هذه الحلقة المفصلية لا تزال، في كثير من الحالات، تعاني من غياب التأهيل المهني الكافي. فعدد من عمال التوصيل، سواء العاملين بشكل مستقل أو التابعين لشركات متخصصة، يلجون هذا القطاع دون تكوين في آداب التعامل التجاري، أو مهارات التواصل، أو تدبير الخلافات، أو فهم طبيعة العلاقة الحساسة التي تربط الزبون بالتاجر. وهنا تتحول مهمة نقل الطرد إلى اختبار حقيقي لثقافة الخدمة.

وتبرز الإشكالية عندما تطغى التصرفات الفردية والانفعالات الشخصية على المهنية. فقد يتحول نقاش بسيط حول عنوان أو توقيت التسليم أو وسيلة الأداء إلى مواجهة كلامية، يكون التاجر فيها أول الخاسرين، رغم أنه لم يكن حاضرًا في المشهد. فالزبون لا يميز غالبًا بين شركة التوصيل والمتجر، بل يعتبرهما وجهين لخدمة واحدة، وأي تجربة سلبية تترك أثرها على صورة العلامة التجارية بأكملها.

واللافت أن بعض عمال التوصيل يتعاملون مع العملية بمنطق شخصي، بينما تفرض طبيعة المهنة قدرًا عاليًا من الحياد والانضباط. فالعامل ليس طرفًا في النزاع بين البائع والمشتري، وليس مخولًا لإبداء آرائه أو الدخول في سجالات قد تُفسد علاقة تجارية بُنيت على الثقة.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال الضغوط التي يعيشها العامل نفسه، من كثافة الطلبات، وضيق الوقت، وصعوبة الوصول إلى بعض العناوين، وضعف الحماية الاجتماعية في بعض الحالات. غير أن هذه التحديات لا تلغي الحاجة إلى تكوين مستمر، بل تجعل منه ضرورة لحماية العامل والتاجر والزبون في آن واحد.

لقد تجاوزت وظيفة عامل التوصيل مفهومها التقليدي. فهو اليوم سفير للمتجر، ومسؤول عن آخر انطباع يخرج به الزبون. وقد تنفق شركة آلاف الدراهم على التسويق والإعلانات، ثم تفقد ولاء العميل بسبب أسلوب غير لائق عند التسليم.

ومن هنا، يصبح من الضروري أن تتحول مهنة التوصيل إلى مهنة قائمة على معايير واضحة، تتضمن برامج للتكوين في التواصل، وخدمة الزبناء، وأخلاقيات التجارة، وإدارة النزاعات، واحترام حقوق المستهلك. كما أن شركات التوصيل مطالبة باعتماد مواثيق سلوك مهني، وآليات لتقييم الأداء لا تقوم فقط على سرعة التسليم، بل أيضًا على جودة التعامل.

إن التجارة الإلكترونية ليست مجرد منصات رقمية وتطبيقات ذكية، بل منظومة ثقة متكاملة. وإذا كانت التكنولوجيا هي قلب هذه المنظومة، فإن عامل التوصيل هو وجهها الإنساني. وحين يفتقر هذا الوجه إلى الثقافة التجارية والمهنية، فإن الخسارة لا تقع على التاجر وحده، بل تمتد إلى سمعة قطاع كامل يسعى إلى ترسيخ مكانته في الاقتصاد المغربي.

إن الاستثمار الحقيقي في مستقبل التجارة عن بُعد لا يبدأ بشراء المزيد من الدراجات النارية أو توسيع أساطيل النقل، وإنما يبدأ ببناء إنسان يدرك أن الكلمة المهذبة، والابتسامة، والاحترام، وحسن التصرف، قد تكون أثمن من الطرد الذي يحمله بين يديه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى