
بشرى عطوشي
تحليل _ قبل ثلاثة أيام،أفادت معطيات حكومية بأن الاقتصاد الوطني يواصل مساره التصاعدي خلال سنة 2026، بمعدل نمو مرتقب يبلغ 5.3 في المائة، أي أعلى بـ0.7 نقاط من فرضية “قانون المالية” للسنة ذاتها، مبينة أن “هذا الأداء يستند إلى الانتعاش القوي للقيمة المضافة الفلاحية، المتوقع نموها بنسبة 15.1 في المائة، واستمرار متانة الأنشطة غير الفلاحية بمعدل 4.2 في المائة”.
وحسب المعطيات ذاتها، والتي وردت في عرض لوزارة الاقتصاد والمالية بشأن الإطار العام لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، وكذا البرمجة الميزانياتية لثلاث سنوات (2027–2029)، فإن “دينامية الاستثمار والطلب الداخلي تدعم هذا التحسن، بما يعكس تنوع محركات النمو ويوفر إطارا ملائما لمواصلة تنفيذ قانون المالية خلال النصف الثاني من السنة، مع الحفاظ على اليقظة تجاه تقلبات الظرفية الدولية”.
في هذا الصدد لا بد من التأكيد على أن المغرب يتمتع بأداء اقتصادي كلي قوي ومرونة يشيد بها المراقبون. إلا أن هذه النتائج لا تنعكس على الحياة اليومية لشريحة واسعة من السكان، إلا أنه لا بد من التذكير بأن بنك المغرب نفسه أقر بهذه الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية والمعيش اليومي المواطنين.
ففي تقريره السنوي الذي قدمه إلى الملك يوم الاثنين 20 يوليو، سلط والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، الضوء على ما يُعد بلا شك التحدي الرئيسي الذي يواجه المغرب اليوم: الفجوة المتزايدة بين الأداء الاقتصادي المعلن والحياة اليومية للمواطنين.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة لأنها لا تُشكك بأي حال من الأحوال في التقدم الذي أحرزته البلاد. بل على العكس، تُظهر المؤشرات الاقتصادية الكلية اقتصادًا أظهر مرونة ملحوظة رغم سلسلة من الأزمات الدولية والجفاف والتوترات الجيوسياسية، ويتعزز الاستقرار الاقتصادي الكلي، ويستمر الاستثمار في البنية التحتية، ويعمل المغرب على تعزيز جاذبيته، ومع ذلك، ثمة خلل ما في ترجمة هذه الإنجازات إلى رفاهية جماعية.
يلخص عبد اللطيف الجواهري هذا الوضع بصراحة نادرة، قائلاً: “في السنوات الأخيرة، لوحظت فجوة كبيرة بين الأداء الاقتصادي وعيش المواطنين”.
يعكس هذا التصريح حقيقة لا تستطيع الإحصاءات وحدها رصدها، فالنمو الاقتصادي قد يكون حقيقياً دون أن يُلمس. قد يرتفع الناتج المحلي الإجمالي بينما يتفاقم القلق الاجتماعي، قد تُشيد وكالات التصنيف بقوة المؤشرات الأساسية بينما تستمر الأسر في رؤية تراجع قدرتها الشرائية.
لماذا هذا التناقض؟
يقدم والي بنك المغرب إجابة واضحة، تكمن نقطة الضعف الحقيقية في الاقتصاد المغربي في مشكلة التوظيف، فمنذ عدة سنوات، لم يُسفر النمو الاقتصادي عن خلق فرص عمل كافية، بينما لا تزال البطالة والعمالة الناقصة، وخاصةً الركود، تؤثر على ملايين المغاربة، يُعد الشباب أول ضحايا هذا الوضع، حيث يبلغ عددهم نحو ثلاثة ملايين شاب خارج المدارس والتكوين وسوق الشغل.
بعبارة أخرى، النمو موجود، لكنه غير شامل بما فيه الكفاية، يؤكد جواهري أن “العمالة، المحرك الرئيسي للاندماج الاجتماعي والحصول على الخدمات الأساسية، كانت الحلقة الأضعف في الاقتصاد الوطني”. هذه هي جوهر المشكلة.
يقيس المواطنون صحة الاقتصاد بناءً على رواتبهم، ووظائفهم، وجودة الخدمات العامة، وآفاقهم المستقبلية، وآفاق أبنائهم. عندما تتراجع هذه الجوانب أو تتدهور، تفقد النتائج الاقتصادية الكلية الجيدة معناها تقريبًا.
يُضاف إلى ذلك عامل آخر لا يقل أهمية: عدم المساواة، يُشير التقرير إلى أن مستوى استهلاك الأسر الأكثر ثراءً لا يزال أعلى بأكثر من سبعة أضعاف من مستوى استهلاك الأسر الأشد فقرًا.
كما لا تزال الفوارق بين المناطق الحضرية والقروية كبيرة، ونتيجة لذلك، قد يشعر جزء من السكان بأن النمو يعود بالفائدة بشكل أساسي على مناطق أو قطاعات أو طبقات اجتماعية معينة.
يصبح هذا التصور مؤشرًا سياسيًا واقتصاديًا في آن واحد، لهذا السبب تحديدًا، لا يكتفي عبد اللطيف الجواهري بتقديم تشخيص، بل يُشدد على ضرورة “مواصلة تحسين وتيرة النمو، وقبل كل شيء، توزيع فوائده بشكل أفضل”.
يجب أن يكون النمو الآن أكثر خلقًا للوظائف، وأكثر شمولًا، وأكثر عدلًا جغرافيًا واجتماعيًا. وبدون ذلك، ستستمر الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية وإحساس المواطنين بالرخاء. وكما يقول جواهري: “يكمن التحدي اليوم في ضمان توفير الشروط اللازمة لاستدامة هذه التطورات، وتسريعها، وتوزيع فوائدها بشكل أفضل”.
هذا التمييز بالغ الأهمية، فالمسألة ليست اختيارًا بين النمو والعدالة الاجتماعية، بل الهدف هو ضمان أن يُفضي الأول إلى الثاني فعليًا.
المغرب ليس حالةً معزولة، ففي العديد من الاقتصادات، تواجه الحكومات المشكلة نفسها: مؤشرات تتحسن بينما يتزايد التشاؤم في الرأي العام، ويتحدث الاقتصاديون الآن عن “قصور في التصور”.
تكمن قيمة تقرير بنك المغرب تحديدًا في اعترافه المباشر بهذا الواقع، إنه دعوة لتجاوز الرضا الذي توفره الأرقام الإيجابية، ودراسة أثرها الملموس على الحياة اليومية، وهذا يعني أن الأداء الاقتصادي شرط ضروري للتنمية، ولكنه لم يعد كافياً.
من الآن فصاعدًا، سيكون المؤشر الحقيقي للنجاح هو القدرة على تقليص الفجوة بين الإحصاءات والواقع اليومي للمواطنين.





