ساري لـ”إعلام تيفي”: نجاح السياسات العمومية لا يقاس بالأرقام بل بأثرها على حياة المواطنين

أميمة حدري

تتواصل في المغرب النقاشات المرتبطة بمدى نجاعة السياسات العمومية في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، في ظل رهانات تتعلق بتعزيز النمو، وتحسين القدرة الشرائية، وتوسيع الحماية الاجتماعية، والارتقاء بجودة الخدمات الأساسية. وبين المؤشرات الاقتصادية الرسمية والواقع المعيشي للمواطنين، يبرز نقاش متجدد حول حصيلة الإصلاحات ومدى قدرتها على تحقيق أثر ملموس على مختلف الفئات الاجتماعية.

وفي هذا السياق، اعتبر رشيد ساري، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، الذي حل ضيفا في برنامج “محطات” من تقديم بشرى عطوشي، رئيسة تحرير الموقع، أن تقييم السياسات العمومية لا ينبغي أن ينحصر في قراءة المؤشرات الاقتصادية المجردة أو الأرقام الرسمية، وإنما في مدى انعكاسها على الواقع المعيشي للمواطنين وجودة الخدمات العمومية، مؤكدا أن المرحلة الحالية تفرض الانتقال من منطق إعلان الحصيلة إلى منطق قياس الأثر الفعلي للإصلاحات.

وأوضح ساري أن ورش الحماية الاجتماعية، باعتباره ورشا ملكيا، يعد من أكبر المشاريع الاجتماعية التي أطلقتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، بالنظر إلى حجم الموارد المالية المخصصة له، والتي تبلغ نحو 51 مليار درهم سنويا، وتشمل التغطية الصحية والتعويضات العائلية وأنظمة التقاعد. ورغم أهمية هذا الورش، يرى المتحدث أن بلوغ أهدافه يظل رهينا بمواصلة عمليات التقييم والتجويد، بما يضمن تحسين جودة الخدمات وضمان وصولها إلى الفئات المستهدفة بالكفاءة المطلوبة.

وفي قراءته لواقع الخدمات الأساسية، سجل الخبير الاقتصادي أن إصلاح قطاعي الصحة والتعليم لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو البرامج الحكومية، بل بقدرة المدرسة والمستشفى العموميين على استعادة ثقة المواطنين. واعتبر أن استمرار إقبال شريحة واسعة من الأسر على القطاع الخاص يعكس استمرار تحديات مرتبطة بجودة الخدمات، الأمر الذي يجعل إعادة الاعتبار للمرفق العمومي من بين الأولويات المطروحة خلال المرحلة المقبلة.

كما توقف ساري عند أداء السياسات العمومية من زاوية الحكامة والتواصل، معتبرا أن ضعف التواصل المؤسساتي يقلص من قدرة الرأي العام على تقييم حصيلة الإصلاحات بشكل موضوعي، في وقت تبرز فيه الحاجة إلى تقديم معطيات مرتبطة بالأثر الاقتصادي والاجتماعي للبرامج المنجزة. وفي السياق ذاته، أشار إلى أن تعزيز مناخ الاستثمار يمر أيضا عبر تكريس مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة ومعالجة الإشكالات المرتبطة بتضارب المصالح.

وعلى المستوى الاقتصادي، أوضح رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة أن معدلات النمو، رغم أهميتها، لم تعد تعكس بالضرورة قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص الشغل، مبرزا أن كل نقطة نمو أصبحت توفر عددا أقل من مناصب العمل مقارنة بما كان عليه الوضع خلال السنوات الماضية، وهو ما يطرح تحديا يرتبط بقدرة النمو الاقتصادي على تحقيق الإدماج الاجتماعي والاستجابة لانتظارات سوق الشغل.

وأشار ساري إلى أن استمرار معدل البطالة في مستويات تتجاوز 13 في المائة، إلى جانب اتساع القطاع غير المهيكل، يعكس الحاجة إلى سياسات اقتصادية أكثر قدرة على خلق فرص عمل مستدامة وإدماج اليد العاملة داخل الاقتصاد المنظم، بما يعزز الإنتاجية ويوسع قاعدة المستفيدين من منظومة الحماية الاجتماعية.

وفي ما يتعلق بالقدرة الشرائية، اعتبر المتحدث أن المؤشرات الرسمية الخاصة بالتضخم لا تعكس بشكل كامل واقع الإنفاق اليومي للأسر المغربية، في ظل الارتفاع الذي شهدته أسعار عدد من المواد الأساسية، موضحا أن تقييم المواطنين للوضع الاقتصادي يرتبط أساسا بتطور كلفة المعيشة وتأثيرها المباشر على ميزانية الأسر.

وفي المقابل، سجل ساري أن المغرب ما يزال يحافظ على عدد من المؤشرات المالية والنقدية التي تعكس مستوى من الاستقرار، مبرزا أن المملكة تتمتع بسيادة مالية ونقدية، مستندا إلى استقرار سعر صرف الدرهم، والتصنيف الائتماني للمغرب، ومستوى المديونية الذي اعتبره أقل من عدد من الاقتصادات الكبرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى