
حسين العياشي
خبر – تثير عمليات الهدم وإعادة التهيئة العمرانية، التي تشهدها مدن مغربية خلال الأشهر الأخيرة، نقاشا حقوقيا متجددا حول الحدود الفاصلة بين متطلبات التنمية الحضرية وضمان الحق في السكن، في وقت تتزايد فيه أصوات تطالب بأن لا تتحول مشاريع التأهيل العمراني إلى مصدر جديد للهشاشة الاجتماعية.
وفي هذا السياق، دعت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إلى تبني مقاربة تضع كرامة الإنسان في صلب سياسات إعادة التأهيل، قوامها احترام الضمانات القانونية، وتأمين الحق في السكن، وإعمال الحوار مع المتضررين قبل الشروع في أي عملية هدم أو إعادة إسكان.
وخلال ندوة خُصصت لمناقشة واقع السكن بالمغرب على ضوء عمليات الهدم الجارية، اعتبر أحمد البرنوصي أن الأرقام الرسمية نفسها تكشف أن معضلة السكن اللائق لم تُطو بعد. فنتائج الإحصاء العام للسكان والسكن، بحسب عرضه، تشير إلى أن نحو 11 في المائة من المغاربة ما يزالون يعيشون في أوضاع سكنية غير لائقة، وهو معطى يرى أنه يفرض توجيه الجهود نحو معالجة مظاهر الهشاشة السكنية، بدل الاكتفاء بإزالة أحياء قائمة دون توفير بدائل تستجيب لانتظارات قاطنيها.
ولم يقتصر النقاش على البعد الاجتماعي، بل امتد إلى الجانب القانوني، إذ أثار البرنوصي تساؤلات بشأن مدى احترام بعض عمليات الهدم للمساطر المنظمة لنزع الملكية، معتبرا أن أي تدخل عمراني، مهما كانت أهدافه، ينبغي أن يظل محكوما بمقتضيات القانون وروح الدستور، بما يضمن التوازن بين المصلحة العامة وصون الحقوق الفردية للمواطنين.
كما وجّه المتحدث انتقادات لما وصفه بتغليب الاعتبارات العقارية والاستثمارية على الحقوق الاجتماعية للسكان، معتبرا أن إعادة تشكيل الفضاءات الحضرية، خصوصا في المواقع ذات القيمة العقارية المرتفعة، لا يمكن أن تتم على حساب الأسر المقيمة بها، بل تستوجب تعويضا منصفا وإعادة إسكان تحفظ الكرامة والاستقرار الاجتماعي.
ولم تظل هذه المواقف حبيسة النقاش الحقوقي، بل وجدت صداها في شهادات مؤثرة قدمها متضررون من عمليات الهدم. فقد روت سيدة من منطقة “أولاد العياشي” أنها اقتنت قطعة أرض وشيدت عليها مسكنا منذ سنوات، غير أنها فوجئت باستبعادها من لوائح الإحصاء، وهو ما حرمها، وفق روايتها، من أي تعويض أو بديل سكني، لتتحول سنوات من الاستقرار إلى حالة من الغموض وعدم اليقين.
بدورها، رسمت حفيظة التهلالي، وهي من ساكنة “أولاد العياشي” بسلا، صورة قاتمة للأوضاع الاجتماعية التي تعيشها عشرات الأسر بعد فقدان مساكنها، مشيرة إلى أن من بينها أرامل ومطلقات وعائلات تضم أطفالا، اضطر كثير منها إلى اللجوء إلى كراء مساكن مؤقتة في انتظار حلول لم تتبلور بعد، ما فاقم الأعباء الاقتصادية والنفسية على هذه الفئات.
وفي الاتجاه نفسه، عبّر عدد من سكان الأحياء الصفيحية الذين شملتهم برامج إعادة الإيواء عن عدم اقتناعهم بالحلول المقترحة، معتبرين أن الشقق السكنية لا تلبي احتياجاتهم ولا تعوض نمط العيش الذي اعتادوه، ومطالبين بالاستفادة من بقع أرضية تمكنهم من تشييد مساكن تتلاءم مع أوضاعهم الأسرية، بعد سنوات طويلة قضوها في أحياء الصفيح.
ورغم تباين المواقف بين من يرى في مشاريع إعادة التهيئة ضرورة لتحديث المدن، ومن يعتبرها مدخلا للمساس بحقوق فئات اجتماعية هشة، فقد التقت مختلف المداخلات عند قناعة واحدة: أن نجاح أي مشروع عمراني لا يقاس فقط بما يضيفه إلى المشهد الحضري، بل أيضا بقدرته على حماية الإنسان، واحترام القانون، وضمان ألا يكون تطوير المدينة على حساب ساكنيها.
واختُتمت أشغال الندوة بالدعوة إلى فتح حوار جاد ومسؤول مع المتضررين، وإرساء حلول تراعي العدالة الاجتماعية، وتكفل الحق في السكن اللائق، مع الالتزام الصارم بالمساطر القانونية في مختلف مشاريع التهيئة وإعادة تأهيل المدن.





