
أممية حدري
يشهد المغرب مرحلة جديدة من التحولات الاقتصادية والسياسية، تتقاطع فيها مشاريع البنيات التحتية الكبرى مع رهانات استقطاب الاستثمار وتعزيز التنافسية والاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى مواكبة هذه الدينامية بإصلاحات سياسية واقتصادية قادرة على ضمان استدامة النمو وتحقيق التنمية الشاملة.
وفي هذا السياق، قدم رشيد ساري، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، الذي حل ضيفا في برنامج “محطات” من تقديم وإعداد بشرى عطوشي رئيسة تحرير “إعلام تيفي“، قراءة استشرافية لمستقبل المملكة، متوقفا عند أبرز التحديات والفرص التي تنتظر المغرب خلال السنوات المقبلة.
واعتبر ساري أن المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة تجربة مهمة في إنجاز مشاريع البنيات التحتية الكبرى، مبرزا أن المملكة أظهرت قدرة على تنفيذ أوراش استراتيجية في آجال زمنية محددة، سواء تعلق الأمر بالموانئ أو المناطق الصناعية أو مشاريع الطاقة المتجددة أو البنيات الرياضية، إلى جانب مواصلة الاستثمار في السياسة المائية من خلال بناء السدود وتطوير مشاريع تحلية مياه البحر، وهي أوراش يرى أنها تشكل ركائز أساسية لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وفي مقابل هذا التطور، سجل المتحدث أن المغرب لا يزال مطالبا بتطوير آليات تسويق صورته الاقتصادية على المستوى الدولي، معتبرا أن الإمكانات التي تتوفر عليها المملكة تحتاج إلى مواكبة تواصلية أكثر فعالية من أجل استقطاب استثمارات أجنبية أكبر.
وأوضح أن المنافسة الدولية في مجال جذب الرساميل لم تعد ترتبط فقط بتوفير البنيات التحتية، وإنما أيضا بقدرة الدول على الترويج لمؤهلاتها الاقتصادية، والانفتاح على اللغات العالمية، وفي مقدمتها اللغة الإنجليزية، إلى جانب توظيف الوسائل الرقمية الحديثة في التعريف بفرص الاستثمار.
وتوقف ساري عند الاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، معتبرا أن هذا الموعد يمثل مشروعا للدولة وليس مجرد حدث رياضي، بالنظر إلى حجم الأوراش التي أطلقتها المملكة في مجالات النقل والتجهيزات والبنيات التحتية والخدمات. مشيرا إلى أن الرهان الحقيقي لا يرتبط فقط بإنجاح التظاهرة، وإنما بقدرة المغرب على تحويل الاستثمارات المرتبطة بها إلى مكاسب اقتصادية وتنموية مستدامة تمتد إلى ما بعد انتهاء المنافسة.
وفي هذا الإطار، نبه الخبير الاقتصادي إلى ضرورة الاستعداد لمرحلة ما بعد مونديال 2030، محذرا من احتمال تراجع الطلب على اليد العاملة في قطاع البناء والأشغال العمومية بعد استكمال المشاريع الكبرى، وهو ما يفرض، بحسبه، التفكير منذ الآن في بدائل اقتصادية قادرة على استيعاب فرص الشغل والمحافظة على الدينامية الاقتصادية التي ستواكب هذه المرحلة.
وأكد ساري أن الاقتصاد الرقمي سيكون من بين أبرز محركات النمو خلال السنوات المقبلة، داعيا إلى توجيه مزيد من الدعم نحو المقاولات الناشئة والشركات المبتكرة، باعتبارها رافعة لإنتاج حلول تكنولوجية وتعزيز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني. مشددا على أن الذكاء الاصطناعي أصبح واقعا يفرض نفسه على مختلف القطاعات، الأمر الذي يستوجب إعداد الكفاءات الوطنية وتأهيل سوق الشغل لمواكبة التحولات التي ستشهدها المهن خلال السنوات القادمة.
وعلى المستوى الاقتصادي، أشار المتحدث إلى أن المغرب يراهن على رفع الناتج الداخلي الخام إلى نحو 200 مليار دولار في أفق سنة 2029، مع مواصلة تحقيق أهداف أكثر طموحا خلال السنوات اللاحقة انسجاما مع توجهات النموذج التنموي الجديد، معتبرا أن بلوغ هذه الأهداف يظل مرتبطا بمواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتحسين مناخ الأعمال وتعزيز الاستثمار والإنتاج.
وفي الشق السياسي، قدم ساري تقييما للمشهد الحزبي، معتبرا أن عددا من الأحزاب أصبح مطالبا بتجديد خطابه السياسي وتقديم برامج عملية تستجيب لأولويات المواطنين، بدل الاكتفاء بالسجالات السياسية. مسجلا أن ظاهرة الترحال السياسي أضعفت وضوح المشهد الحزبي، داعيا إلى إعادة الاعتبار للعمل الحزبي القائم على البرامج والرؤى القابلة للتنفيذ.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن المرحلة المقبلة تستوجب أيضا فتح أوراش إصلاحية تتعلق بأنظمة التقاعد، وتقليص الفوارق المجالية، ومعالجة إشكالات البطالة والفقر، فضلا عن تعزيز دور الشباب داخل الأحزاب السياسية وتحويل التنظيمات الشبابية إلى فضاءات لإنتاج الأفكار وصياغة البدائل، بما يساهم في تجديد النخب السياسية ورفع جودة النقاش العمومي.
وخلص رشيد ساري إلى أن رهانات المغرب خلال السنوات المقبلة لن تقتصر على إنجاز المشاريع الكبرى أو تنظيم التظاهرات الدولية، وإنما ستتحدد بمدى القدرة على تحويل هذه الأوراش إلى فرص تنموية مستدامة، وتعزيز الاقتصاد الرقمي، وجذب الاستثمارات، وإطلاق إصلاحات سياسية واقتصادية تواكب التحولات الدولية وتدعم طموح المملكة في ترسيخ مكانتها كقوة اقتصادية إقليمية في أفق 2030 وما بعدها.





