
حسين العياشي
خبر – كشفت التحركات الأخيرة داخل حزب التجمع الوطني للأحرار أن القلق الذي يسكن قيادة الحزب لم يعد مرتبطاً فقط بانتقال بعض الأسماء الوازنة إلى أحزاب منافسة، بل امتد إلى ما هو أخطر: الخوف من انهيار الشبكات الانتخابية التي صنعت انتصارات الحزب في محطات سابقة.
فبحسب معطيات حصلت عليها “إعلام تيفي”، لم يكتف عزيز أخنوش بمحاولة إقناع عدد من الأعيان المترددين بالعدول عن قرار مغادرة الحزب، بعدما اتسعت دائرة الانسحابات في عدد من الدوائر الانتخابية، بل انتقل إلى خطة مغايرة تستهدف الحلقة الأكثر تأثيرا في المعادلة الانتخابية: مديرو الحملات الانتخابية لهؤلاء الأعيان.
وتفيد المصادر ذاتها بأن أخنوش باشر اتصالات ولقاءات مع عدد من هؤلاء، في محاولة لإقناعهم بعدم مغادرة التجمع الوطني للأحرار، والتمسك بالانتماء الحزبي بدل الارتهان لقرار الشخص الذي كانوا يديرون حملاته، في رهان واضح على الحفاظ على الآلة الانتخابية حتى وإن تعذر الاحتفاظ بصاحبها.
من استقطاب الأعيان.. إلى حماية ما تبقى منهم
هذه الخطوة لا تبدو معزولة عن السياق السياسي الذي يعيشه الحزب؛ فمنذ أسابيع، يتابع المشهد السياسي انتقال أسماء ذات ثقل انتخابي إلى أحزاب منافسة، وفي مقدمتها حزب الأصالة والمعاصرة، في حركية سياسية تتسارع كلما اقترب موعد الاستحقاقات المقبلة. وتشير تقارير إعلامية إلى أن أخنوش خرج بنفسه، خلال لقاء حزبي بالداخلة، للرد على ما اعتبره حديثا عن “الميركاتو السياسي”، نافيا أن يكون حزبه في حاجة إلى استقطاب الوجوه الجاهزة، ومؤكدا أن “الأحرار” يظل “مشتلاً للكفاءات”.
غير أن ما يجري داخل الكواليس، وفق مصادر “إعلام تيفي”، يعكس انشغالا مختلفا؛ فالمعركة لم تعد تقتصر على الاحتفاظ بالأسماء الوازنة، بل أصبحت تدور أيضا حول المحافظة على البنية التنظيمية واللوجستية التي تتحرك معها في كل محطة انتخابية.
المعركة الحقيقية ليست حول المرشح.. بل حول شبكته
في الحسابات الانتخابية، لا يمثل “البرلماني” سوى رأس جبل الجليد؛ فوراء كل اسم نافذ تقف “ماكينة انتخابية” كاملة تضم مدير الحملة، ومنسقي الدواوير، والمسؤولين عن التعبئة، وشبكات العلاقات المحلية، والفاعلين القادرين على تحويل النفوذ الاجتماعي إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.
ولهذا، فإن خسارة أحد الأعيان لا تعني فقط مغادرة شخص واحد، بل قد تعني انتقال منظومة انتخابية بفاعليتها وقوتها إلى حزب منافس.
ومن هنا يمكن فهم التحرك الجديد لقيادة “الأحرار”. فإذا كان استرجاع بعض الأسماء أصبح صعبا، فإن الحفاظ على مهندسي الحملات الانتخابية قد يسمح، على الأقل، بالإبقاء على جزء من النفوذ التنظيمي داخل الدائرة الانتخابية، وتقليص الخسائر التي قد تترتب عن موجة الرحيل.
اعتراف غير مباشر بحجم النزيف؟
في السياسة، كثيرا ما تكشف الأفعال ما تحاول التصريحات إخفاءه؛ فحين ينتقل رئيس حزب من محاولة إقناع الأعيان أنفسهم إلى التواصل مع مديري حملاتهم، فإن ذلك يوحي بأن الأزمة تجاوزت مرحلة معالجة الحالات الفردية، لتتحول إلى محاولة احتواء آثارها على الأرض.
كما أن هذا السلوك يعكس إدراكا بأن القوة الانتخابية لا تختزل في اسم المرشح وحده، وإنما في الشبكة البشرية التي ترافقه، وتعرف تفاصيل الدائرة، وتدير مفاتيح التعبئة والتواصل والإقناع. ولهذا، تبدو المعركة اليوم معركة على “رأس المال الانتخابي” أكثر منها معركة على الأشخاص.
المشهد ينقلب
المفارقة التي يفرضها هذا المشهد أن الحزب الذي اشتهر خلال السنوات الماضية بقدرته الكبيرة على استقطاب الأعيان والمنتخبين من مختلف الأحزاب، يجد نفسه اليوم في موقع مغاير؛ إذ بات مطالبا بالدفاع عن رصيده التنظيمي، بعدما أصبح هو الآخر يواجه عمليات استقطاب تستهدف ركائزه الانتخابية.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة أن الصراع لم يعد يدور فقط بين الأحزاب حول المرشحين، بل انتقل إلى ما وراءهم، حيث تدور المنافسة على العقول التي تدير الحملات، والشبكات التي تصنع النتائج، والخبرات التي تعرف كيف تُحوَّل الأصوات إلى مقاعد.
وفي السياسة، قد يرحل المرشح ويُعوَّض بآخر، أما إذا رحلت معه آلته الانتخابية، فإن استعادة النفوذ تصبح أكثر تعقيداً، وأكثر كلفة.





