
بشرى عطوشي
تحليل _ يشهد سوق الشغل المغربي مفارقة لافتة تستحق التوقف عندها؛ ففي الوقت الذي تستمر فيه معدلات البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، في تسجيل مستويات مقلقة، تواجه قطاعات حيوية كالبناء والأشغال العمومية، والفلاحة، والصناعة، والنقل واللوجستيك، والسياحة، أزمة حقيقية في استقطاب اليد العاملة، الأمر الذي أصبح يهدد وتيرة إنجاز المشاريع الاستثمارية ويؤثر على تنافسية الاقتصاد الوطني.
هذه الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالنقص العددي للعمال، بل أصبحت تعكس اختلالاً عميقاً في العلاقة بين العرض والطلب داخل سوق الشغل. فآلاف مناصب العمل تبقى شاغرة في مهن تتطلب جهداً بدنياً أو مهارات تقنية، بينما يفضل عدد متزايد من الشباب البحث عن فرص خارج المغرب أو العزوف عن هذه المهن بسبب ضعف الأجور، وغياب التحفيز، وصعوبة ظروف العمل، وعدم توفر الحماية الاجتماعية الكافية في عدد من المقاولات.
ويزداد الوضع تعقيداً مع المشاريع الكبرى التي أطلقها المغرب في مجالات البنيات التحتية، والإسكان، والطاقات المتجددة، والاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، حيث سترتفع الحاجة إلى آلاف العمال المؤهلين في البناء والميكانيك والكهرباء والحدادة والنجارة وسياقة الآليات الثقيلة، وهو ما قد يضع المستثمرين أمام تحديات حقيقية في تنفيذ التزاماتهم داخل الآجال المحددة.
وفي القطاع الفلاحي، أصبح عدد من الفلاحين يشتكون من صعوبة توفير اليد العاملة الموسمية خلال فترات الجني والحصاد، في وقت تستقطب فيه الأسواق الأوروبية أعداداً متزايدة من العمال المغاربة بعقود عمل وأجور أكثر جاذبية. كما تعاني المصانع، خصوصاً في الصناعات الغذائية والنسيج وصناعة السيارات، من خصاص متنامٍ في عمال الإنتاج والتقنيين.
وتتحمل وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات مسؤولية محورية في هذا الملف، باعتبارها الجهة المكلفة بوضع السياسات الوطنية للتشغيل واستشراف حاجيات سوق العمل. ويُنتظر منها تطوير منظومة للرصد المبكر لاحتياجات القطاعات الاقتصادية، وربط التكوين المهني بالطلبات الحقيقية للمقاولات، وإطلاق برامج تحفيزية لإعادة توجيه الباحثين عن العمل نحو المهن التي تعرف خصاصاً، بدل الاكتفاء بالإحصائيات والمؤشرات العامة.
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء المستثمرين والمقاولين من مسؤوليتهم. فجزء من الأزمة مرتبط بسياسات تشغيل تعتمد على الحد الأدنى من الأجور، وساعات عمل طويلة، وضعف الاستثمار في تكوين الموارد البشرية وتحسين بيئة العمل. إن العامل اليوم أصبح أكثر وعياً بحقوقه وأكثر قدرة على مقارنة ظروف العمل داخل المغرب بما هو معروض في الخارج، ما يجعل تحسين الأجور، وتوفير السلامة المهنية، وآفاق التطور الوظيفي، عوامل أساسية لاستقطاب اليد العاملة والحفاظ عليها.
كما تقع على مؤسسات التكوين المهني مسؤولية تحديث برامجها بما يتلاءم مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وإعداد كفاءات تستجيب للحاجيات الفعلية للمقاولات، بدل تخريج أفواج في تخصصات تعرف تشبعاً في سوق الشغل.
إن معالجة هذه الأزمة تتطلب رؤية وطنية تشاركية تجمع الحكومة، والقطاع الخاص، والمؤسسات التكوينية، والهيئات المهنية، والنقابات، من أجل إعادة الاعتبار للمهن التقنية والحرفية، وتحسين جاذبيتها، وتوفير ظروف عمل تحفظ كرامة العامل وتضمن استقرار المقاولة. فنجاح المشاريع التنموية الكبرى لن يتحقق فقط بتوفير التمويل والاستثمارات، بل يحتاج قبل كل شيء إلى رأسمال بشري مؤهل، ومحفز، ومتمسك بالعمل داخل وطنه.





