أمين صوصي علوي ل “إعلام تيفي “..الإعلام الأجنبي حول أزمة الهجرة إلى حملة ضد المغرب وغيب المسؤوليات الحقيقية (حوار)

مديحة المهادنة

حوار_اعتبر الدكتور أمين صوصي علوي، الباحث في الإعلام والقضايا الجيوسياسية في حوار  خاص ل”إعلام تيفي“، ، أن جانبا من التغطية الإعلامية الأوروبية لأحداث الهجرة الأخيرة نحو سبتة انزلق من نقل الوقائع إلى بناء سرديات سياسية، مشيراً إلى أن بعض المنابر اختزلت الأزمة في تحميل المغرب المسؤولية، بينما أغفلت تعقيدات الظاهرة ودور شبكات الاتجار بالبشر والسياسات الأوروبية في تفاقمها

1. كيف تقيمون التغطية التي قدمتها بعض وسائل الإعلام الأجنبية لأحداث الهجرة الأخيرة؟ وهل التزمت بالمعايير المهنية أم سقطت في التهويل والانتقائية؟

لا شك أن جزءا كبيرا من وسائل الإعلام الأوروبية وقعت في فخ الانتقائية والتأطير السياسي للأحداث. فقد جرى التركيز بشكل مكثف على صور المواجهات والتوتر، بينما تم تغييب السياق الأوسع الذي يفسر الظاهرة، سواء تعلق الأمر بشبكات الاتجار بالبشر أو الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية أو مسؤولية دول العبور والمقصد معاً.

الأخطر من ذلك أن بعض المنابر لم تكتفِ بنقل الحدث، بل أسهمت في بناء سردية سياسية تخدم نقاشات داخلية في أوروبا حول الهجرة والأمن والهوية. ففي مثل هذه الأزمات، تتحول التغطية الإعلامية أحياناً إلى أداة للتأثير في الرأي العام أكثر منها وسيلة لفهم الواقع، حيث يُقدَّم الجنوب باعتباره مصدر الخطر، بينما تُهمَّش العوامل البنيوية التي صنعت الأزمة.

كما أن بعض الخطابات الإعلامية تعيد إنتاج صور نمطية قديمة عن الضفة الجنوبية للمتوسط، فتقدمها باعتبارها فضاءً للفوضى وعدم الاستقرار، وهي مقاربة قد تبدو في ظاهرها دفاعاً عن حقوق الإنسان، لكنها في كثير من الأحيان تخفي تصورات ثقافية وسياسية تجعل المهاجر غير الأوروبي أو الدولة غير الأوروبية موضوعاً دائماً للاتهام والمساءلة، دون إخضاع السياسات الأوروبية للنقد بالقدر نفسه.

2. إلى أي حد يمكن اعتبار بعض التقارير الإعلامية منحازة، بعدما قدمت المغرب باعتباره المسؤول الوحيد عن تدفقات الهجرة، وأغفلت مسؤولية شبكات الاتجار بالبشر والسياسات الأوروبية؟

يمكن الحديث عن قدر واضح من الانحياز عندما يُختزل ملف الهجرة في مسؤولية المغرب وحده، بينما يتم تجاهل الطبيعة العابرة للحدود لهذه الظاهرة. فالهجرة غير النظامية نتاج شبكة معقدة من العوامل، تبدأ من الأزمات الاقتصادية والسياسية ، مروراً بشبكات الاتجار بالبشر التي تجني مليارات الدولارات من استغلال المهاجرين، وصولاً إلى سياسات الهجرة الأوروبية نفسها التي خلقت تفاوتاً كبيراً بين الحاجة إلى اليد العاملة من جهة، وتشديد إجراءات الدخول النظامي من جهة أخرى.

إن اختزال الأزمة في دور المغرب يخدم، في بعض الأحيان، أجندات سياسية داخلية في عدد من الدول الأوروبية، حيث يصبح البحث عن “مسؤول خارجي” وسيلة لتخفيف الضغط عن صناع القرار الأوروبيين أمام الرأي العام. وبدلاً من مساءلة فعالية السياسات الأوروبية في إدارة الهجرة، يجري توجيه النقاش نحو دول العبور.

وفي هذا السياق، يلاحظ أن بعض المنابر الإعلامية تعتمد خطاباً يبدو حقوقياً في شكله، لكنه يفتقد إلى مبدأ المساواة في مساءلة جميع الأطراف. فحقوق الإنسان لا ينبغي أن تُستخدم بشكل انتقائي، بحيث تُستحضر عند تقييم أداء دول الجنوب، بينما تغيب عند الحديث عن الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون داخل بعض الحدود الأوروبية، أو عن سياسات الإبعاد القسري، أو عن الظروف غير الإنسانية في بعض مراكز الاستقبال.

3. لماذا تركز بعض المنابر على لحظات التوتر والمواجهات، في مقابل تجاهلها للمجهودات التي يبذلها المغرب في مراقبة الحدود وإنقاذ المهاجرين ومحاربة شبكات التهريب؟

لأن الصورة الصادمة أكثر قدرة على صناعة الخبر من الجهد اليومي الهادئ. فالإعلام، خصوصاً في بيئة تنافسية، يميل إلى إبراز الأحداث الاستثنائية التي تحقق نسب مشاهدة مرتفعة، حتى وإن جاء ذلك على حساب الصورة الكاملة.

لكن في حالة الهجرة، يتجاوز الأمر أحياناً الاعتبارات المهنية إلى بناء سردية سياسية محددة، تُصوّر دول الجنوب باعتبارها مصدر المشكلة، في حين يتم تهميش دورها كشريك رئيسي في حماية الحدود، وإنقاذ آلاف المهاجرين من الموت، وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر، وهي عمليات تتم بشكل يومي ولا تحظى بالتغطية نفسها.

كما أن بعض الخطابات الإعلامية الأوروبية ما زالت تتأثر بإرث ثقافي يقوم على ثنائية “المركز” و”الهامش”، حيث تُمنح الرواية الأوروبية تلقائياً قدراً أكبر من المصداقية، بينما تُنظر إلى دول الجنوب باعتبارها موضع اتهام دائم. ويظهر هذا أحياناً في تغليف بعض الأحكام المسبقة بلغة حقوق الإنسان، بحيث تُستخدم المبادئ الحقوقية بصورة انتقائية تخدم سرديات سياسية أكثر مما تخدم القيم الكونية لحقوق الإنسان.

المطلوب اليوم ليس الدفاع عن أي طرف، وإنما تبني مقاربة إعلامية متوازنة تُخضع الجميع للمعايير نفسها، وتعترف بأن الهجرة غير النظامية مسؤولية مشتركة، وأن معالجتها لا يمكن أن تتم عبر صناعة “كبش فداء” إعلامي، بل من خلال الاعتراف بتعقيد الظاهرة وتقاسم المسؤوليات بين دول المنشأ والعبور والمقصد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى