
بشرى عطوشي
تحليل_لم تعد قضية الهجرة غير النظامية مجرد ملف أمني أو إنساني، بل غدت أحد أبرز محاور السياسة الخارجية التي تعيد تشكيل طبيعة العلاقات بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط. وفي قلب هذا المشهد، يبرز المغرب بوصفه فاعلاً إقليمياً يضطلع بمسؤوليات ميدانية جسيمة في تدبير تدفقات الهجرة، انطلاقاً من موقعه الجغرافي والتزاماته الدولية، دون أن يجعل من هذه المهمة بديلاً عن حق الإنسان في التنقل، أو عن مسؤولية الدول الأوروبية في معالجة الأسباب الجذرية للظاهرة.
لا تقوم المقاربة المغربية على “منع الهجرة” بشكل مطلق؛ ذلك أن الهجرة في حد ذاتها حق إنساني متى تمت في إطار قانوني ومنظم. بل ترتكز هذه المقاربة على الحد من الهجرة غير النظامية ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر والتهريب، مع الحرص على احترام كرامة المهاجرين وحماية حقوقهم الأساسية. ومن هنا، يسعى المغرب إلى الجمع بين البعدين الأمني والإنساني، وهي معادلة دقيقة في ظل تصاعد الأزمات الاقتصادية والسياسية والمناخية التي تشهدها القارة الإفريقية.
وقد تمكنت المصالح الأمنية المغربية، خلال السنوات الأخيرة، من إحباط آلاف محاولات الهجرة غير النظامية وتفكيك مئات الشبكات الإجرامية العابرة للحدود. كما استثمرت المملكة في تجهيزات المراقبة البحرية والبرية، وعززت التعاون الاستخباراتي مع عدد من الشركاء الأوروبيين، الأمر الذي جعل منها أحد أهم الفاعلين في استقرار الضفة الغربية للمتوسط.
غير أن هذا الدور يطرح تساؤلاً مشروعاً حول طبيعة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. فإذا كانت تركيا تستفيد من دعم مالي كبير في إطار اتفاقيات تدبير الهجرة، فإن المغرب يرى أن مسؤولياته المتنامية تستوجب شراكة أكثر توازناً، تقوم على تقاسم الأعباء والاستثمارات، لا على الاكتفاء بدعم محدود لا يتناسب وحجم التحديات التي تواجهها المملكة.
فالمغرب لا يكتفي بحماية حدوده الوطنية، بل يساهم فعلياً في الحد من وصول موجات الهجرة غير النظامية إلى السواحل الأوروبية، وهو ما يوفر لدول الاتحاد الأوروبي كلفة أمنية وإنسانية واقتصادية باهظة. ولذلك، فإن منطق الشراكة العادلة يقتضي أن يُقابَل هذا الجهد باستثمارات أكبر في مشاريع التنمية، وخلق فرص الشغل، وتعزيز برامج الهجرة النظامية والتكوين المهني؛ إذ تظل معالجة الأسباب العميقة للهجرة أكثر نجاعة من الاقتصار على تشديد الرقابة الحدودية.
كما تستند السياسة الخارجية المغربية في هذا الملف إلى رؤية إفريقية واضحة، تجعل من التنمية والتعاون جنوب-جنوب جزءاً أصيلاً من الحل، انسجاماً مع التوجهات التي يقودها الملك محمد السادس في تعزيز الشراكة مع الدول الإفريقية. ذلك أن الهجرة غير النظامية ليست مسؤولية دولة بعينها، بل هي محصلة اختلالات اقتصادية وأمنية تستدعي استجابة جماعية.
وإن اختزال المغرب في دور “حارس حدود أوروبا” لا يعكس حقيقة موقعه، ولا طبيعة سياسته الخارجية؛ فالمملكة ليست مجرد خط دفاع متقدم، بل شريك استراتيجي يوازن بين حماية أمنه الوطني، والوفاء بالتزاماته الدولية، واحترام البعد الإنساني للهجرة. ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يقوم أي تعاون مستقبلي مع الاتحاد الأوروبي على مبدأ المسؤولية المشتركة وتقاسم الأعباء، بما يضمن مصالح الطرفين ويعزز الاستقرار في المنطقة المتوسطية.
وختاماً، فإن نجاح المغرب في الحد من الهجرة غير النظامية لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه خدمة مجانية تُقدَّم لأوروبا، بل بوصفه إسهاماً من دولة مسؤولة في أمن إقليمي مشترك، وهو ما يستدعي شراكة سياسية ومالية وتنموية ترقى إلى مستوى التحديات التي تواجه المنطقة بأسرها.





