رابح _رابح: التنافسية المشتركة بين المغرب وفرنسا في ظل25 سنة من الثقة

بشرى عطوشي

تحليل _ تقوم العلاقات التجارية الفرنسية المغربية منذ سنوات طويلة على نموذج تقليدي نسبيا، حيث كانت فرنسا تصدّر سلعاً ذات قيمة مضافة عالية إلى المغرب، الذي كان بدوره يزوّدها بشكل أساسي بالمنتجات الزراعية والمنسوجات والفوسفات، لكن هذا الوضع أصبح من الماضي.

في عام 2024، برز مؤشرٌ بالغ الدلالة يؤكد تحوّل ميزان القوى الاقتصادية بين الشريكين. فبحسب بيانات مكتب الصرف، اتسع العجز التجاري الفرنسي مع المغرب، وبلغ الفائض التجاري المغربي 15.9 مليار درهم، مقارنةً بـ 11.9 مليار درهم في العام السابق. وبذلك، بلغ تحسّن الميزان التجاري المغربي 4 مليارات درهم في عام واحد فقط.

هذا التوجه ليس مؤقتًا، فمنذ عام 2017، أصبح الميزان التجاري الثنائي في صالح المملكة، مما يعكس التحديث التدريجي لمنشآتها الإنتاجية.

التغيير جذري، وما تستورده فرنسا من المغرب اليوم خير دليل على هذا التحول الصناعي، أصبح قطاع السيارات المحرك الرئيسي للصادرات المغربية، فالسيارات المجمعة في مصانع طنجة والقنيطرة، إلى جانب أسلاك التوصيل والمقاعد والمكونات الإلكترونية، تزود ​​خطوط الإنتاج الأوروبية مباشرة.

 

إلى جانب هذه الصناعة الرائدة، يوجد قطاع الطيران والفضاء، الذي يُصدّر قطع غياره إلى كبرى الشركات العالمية، بالإضافة إلى المعدات الكهربائية، والمنسوجات عالية الأداء، فضلاً عن قطاعات تاريخية اكتسبت مزيداً من التنافسية، مثل الصناعات الغذائية الزراعية، والمأكولات البحرية، والأسمدة الفوسفاتية.

بمعنى آخر، لم تعد فرنسا تستورد المنتجات النهائية فقط، بل تستورد أيضاً مكونات استراتيجية أساسية لصناعاتها. هذا التكامل في سلاسل القيمة يفسر التوازن التجاري الذي يبدو عليه الوضع اليوم أكثر مما كان عليه قبل عشرين عاماً.

تكاملٌ تحوّل إلى تكامل استراتيجي

في الوقت نفسه، يواصل المغرب استيراد ما يُغذي نموه الصناعي من فرنسا. وتتركز مشترياته بشكل رئيسي في الطائرات ومعدات الطيران، والآلات الصناعية، والمعدات الكهربائية، والمستحضرات الصيدلانية، والتقنيات الطبية، والمواد الكيميائية المتخصصة، وبعض المواد الخام كالحبوب.

بمعنى آخر، العلاقة التجارية متبادلة المنفعة، يُزوّد ​​المغرب فرنسا بمنتجات صناعية تنافسية، بينما تُزوّد ​​فرنسا المغرب بالتقنيات والمعدات والخبرات التي تُمكّنه من تعزيز قدرته التنافسية. فلم تعد هذه علاقة بين مورد وعميل، بل أصبحت ترابطاً صناعياً حقيقياً.

يلخص وزير التجارة الخارجية الفرنسي، لوران سان مارتان، هذا الواقع الجديد خير تلخيص، إذ يدعو الآن إلى “شراكة استثنائية معززة” بين البلدين.

وتشهد الأرقام على ذلك. فالمغرب اليوم هو الشريك الاقتصادي الأول لفرنسا في أفريقيا. إذ تصدّر أكثر من 11 ألف شركة فرنسية إلى المملكة، ثلثاها تقريبًا من الشركات الصغيرة والمتوسطة. وقد تضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال عشر سنوات. وبحلول عام 2025، سيتجاوز 15 مليار يورو، مع الحفاظ على توازن شبه كامل، وفقًا للإحصاءات الفرنسية. بالنسبة لباريس، لا يقتصر هذا الزخم على الجانب التجاري فحسب.

بل إنه يُسهم في مواجهة التحديات الكبرى للعقود القادمة: السيادة الصناعية، والتحول في قطاع الطاقة، وخفض الانبعاثات الكربونية، والذكاء الاصطناعي، وأمن الخدمات اللوجستية، واستقطاب الكفاءات، وإعادة التصنيع في أوروبا.

القطاعات الصناعية الآن متكاملة تمامًا

وتُجسّد الإعلانات الأخيرة من شركات سافران، وإيرباص هليكوبترز، وسانوفي هذا التغيير في النطاق خير تجسيد. وتتجاوز هذه الاستثمارات بكثير المنطق التقليدي لنقل الإنتاج إلى الخارج. تعكس هذه التوجهات رغبة المصنّعين الفرنسيين في جعل المغرب مركزًا للإنتاج والابتكار والتطوير التكنولوجي.

ويُعدّ قطاع صناعة الطيران والفضاء خير مثال على ذلك، حيث تُدمج المكونات المصنّعة في المغرب الآن مباشرةً في سلاسل إنتاج شركة إيرباص العالمية. أما في قطاع السيارات، فقد أصبحت المملكة من أبرز المراكز الصناعية في منطقة البحر الأبيض المتوسط.

غدًا، قد تحذو قطاعات السكك الحديدية والرعاية الصحية والتكنولوجيا الحيوية والهيدروجين الأخضر والبطاريات حذوها. لم يعد المغرب مجرد مركز صناعي، بل أصبح تدريجيًا شريكًا في السيادة الاقتصادية.

استجابة مشتركة للاضطرابات العالمية

أحدثت جائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، والتوترات التجارية الصينية الأمريكية، والأزمات في الشرق الأوسط، تغييرات جذرية في المشهد الاقتصادي العالمي. بالنسبة للشركات الفرنسية، أصبح الإنتاج بالقرب من السوق الأوروبية ضرورة استراتيجية.

يُقدم المغرب هذه المزايا المطلوبة: القرب الجغرافي، والاستقرار السياسي، والقدرة التنافسية الصناعية، والبنية التحتية اللوجستية الفعّالة، والوصول إلى الأسواق الأفريقية.

في هذا السياق، يُعد ميناء طنجة المتوسط ​​بالفعل عنصرًا أساسيًا في طرق التجارة العالمية الجديدة. وسيُعزز افتتاح ميناء الناظور غرب المتوسط، وميناء الداخلة الأطلسي لاحقًا، هذا الموقع. بالنسبة للشركات الفرنسية، تُمثل هذه المنصات فرصًا عديدة لتأمين سلاسل التوريد الخاصة بها، وتعزيز وجودها في أفريقيا.

الشركات الصغيرة والمتوسطة.. المحرك القادم للعلاقة

بينما هيمنت الشركات الكبرى على التعاون الاقتصادي الفرنسي المغربي خلال الخمسة والعشرين عامًا الماضية، يُمكن للشركات الصغيرة والمتوسطة أن تقود دورة النمو القادمة. وهذا هو الطموح الذي أعلنته باريس. وتستفيد آلاف الشركات الفرنسية الصغيرة والمتوسطة العاملة في المغرب حاليًا من بيئة صناعية أكثر نضجًا بكثير مما كانت عليه في السابق.

في الوقت نفسه، تكتسب الشركات المغربية الصغيرة والمتوسطة قدرة تنافسية أكبر، وتبدأ بالاندماج بشكل كامل في سلاسل القيمة الأوروبية. من شأن هذا النمو أن يُضفي عمقًا جديدًا على التجارة الثنائية.

شراكة استثنائية معززة

يكشف التناقض الظاهري في التجارة الفرنسية المغربية عن قوتها. ففرنسا تُعاني من عجز تجاري متزايد مع المغرب، ومع ذلك تواصل استثماراتها الضخمة في الاقتصاد المغربي.

هذا العجز ليس دليلاً على ضعف الاقتصاد الفرنسي، بل هو، قبل كل شيء، يعكس القوة المتنامية لشريكٍ بات لا غنى عنه. وهذا تحديدًا ما يُفسر رغبة البلدين في إضفاء الطابع الرسمي على تعاونهما ضمن “شراكة استثنائية مُعززة”، والتي أُطلقت خلال زيارة الدولة التي قام بها إيمانويل ماكرون إلى الرباط في نهاية عام 2024.

لم تعد المصالح الآن تقتصر على التجارة فحسب، بل إن الهدف هو بناء مجتمع صناعي حقيقي قادر على مواجهة تحديات سيادة الطاقة، والتحول البيئي، والذكاء الاصطناعي، والأمن الغذائي، وسلاسل القيمة العالمية الجديدة.

في نهاية المطاف، يعكس أداء الميزان التجاري للمغرب قصة أوسع نطاقاً: قصة اقتصاد نما نمواً ملحوظاً وأصبح قادراً على الانخراط في حوار متكافئ مع شريكه الأوروبي الرئيسي. في عالم تتغير فيه التحالفات الاقتصادية باستمرار بفعل الأزمات، يمتلك المغرب وفرنسا ميزة قيّمة: 25 عاماً من الثقة والاستثمار المتبادل والتكامل الصناعي. هذه القاعدة المتينة تُمكّن البلدين من بناء المرحلة التالية من شراكتهما، متجاوزين التبعية نحو التنافسية المشتركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى