مراسيم عيد العرش بين الابعاد البروتوكولية والدلالات السياسية

د. محمد شقير

بعد حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956، اكتسب عيد العرش أهمية سياسية ومؤسساتية أكبر من مجرد كونه مناسبة للاحتفال باعتلاء الملك العرش. فقد تحول إلى إحدى أهم الركائز الرمزية التي استندت إليها المؤسسة الملكية في بناء الدولة الوطنية وترسيخ مكانتها داخل النظام السياسي خاصة في عهدي الملك الحسن الثاني وخلفه الملك محمد السادس.

  1. البعد المراسيمي لعيد العرش في ترسيخ مكونات الدولة الوطنية

   بعد الاستقلال، كان من الضروري التأكيد على أن الدولة المغربية ليست وليدة المرحلة الاستعمارية، بل تمتد جذورها عبر قرون من التاريخ. لذلك أصبح عيد العرش مناسبة لإبراز استمرارية المؤسسة الملكية باعتبارها أقدم مؤسسة في الدولة، وأن الاستقلال يمثل استعادة للسيادة الوطنية وليس تأسيساً لكيان سياسي جديد. فخلال فترة الحماية، ارتبط العرش بالمقاومة الوطنية، خاصة بعد نفي الملك محمد الخامس سنة 1953 وعودته سنة 1955. أما بعد الاستقلال، فقد انتقلت وظيفة عيد العرش من الاحتفاء برمز التحرير إلى إبراز دور الملك في بناء مؤسسات الدولة، و تحقيق الوحدة الترابية ، و قيادة مشاريع التنمية ، و ضمان الاستقرار السياسي. وبالتالي ، أصبح عيد العرش مناسبة سنوية يؤكد من خلالها الملك موقعه باعتباره: أمير المؤمنين ، و رئيس الدولة، و الضامن لاستمرارها، و الحكم بين المؤسسات. فمن خلال الخطاب الملكي والمراسيم الرسمية، كانت المؤسسة الملكية تعيد سنوياً تأكيد مكانتها في قلب النظام السياسي.

بعد الاستقلال، واجه المغرب تحديات تتعلق بإدماج مناطق كانت خاضعة لأنظمة استعمارية مختلفة، إضافة إلى بناء هوية وطنية جامعة. لذلك تحول عيد العرش إلى مناسبة تجمع مختلف الجهات، والقبائل و لأحزاب، و الإدارات، والمؤسسات العسكرية والأمنية و الهيئات الدينية. حيث كان هذا التجميع يرمز إلى وحدة الأمة حول العرش.

   –  الاحتفال بعيد العرش وإعادة إنتاج العلاقة بين الملك والنخب

يعتبر عيد العرش مناسبة تلتقي فيها النخب السياسية والإدارية والعسكرية والاقتصادية مع الملك وفق ترتيب بروتوكولي دقيق، وهو ما يسمح بـتجديد روابط الولاء المؤسسي، وإبراز مكانة الفاعلين داخل الدولة، و توجيه رسائل سياسية من خلال ترتيب الاستقبالات والأوسمة والمشاركين.

أصبح عيد العرش مناسبة تستقبل خلالها المملكة برقيات التهنئة من رؤساء الدول، وتنظم فيها لقاءات مع السفراء والدبلوماسيين، مما يعكس حضور المغرب على الساحة الدولية ويؤكد استمرارية مؤسساته.

ساهم عيد العرش في بناء ذاكرة سياسية جماعية تربط بين الشرعية التاريخية للملكية ، و شرعية الحركة الوطنية، و شرعية الاستقلال، و شرعية الدستور. وبذلك أصبح أحد أهم الطقوس السياسية التي تعيد إنتاج رموز الدولة وقيمها لدى الأجيال المتعاقبة.

وبالتالي ،  فأهمية  الاحتفال بعيد العرش بعد الاستقلال تكمن في أنه انتقل من مناسبة للاحتفاء بشخص الملك إلى مؤسسة سياسية ورمزية تؤدي وظائف متعددة في النظام السياسي المغربي. فمن خلاله تجدد شرعية المؤسسة الملكية، ويعاد التأكيد على وحدة الدولة، وتعرض أولوياتها السياسية، ويعاد تنظيم العلاقة بين الملك وباقي الفاعلين. كما يمكن اعتبار الاحتفال بعيد العرش من أحد أهم الطقوس السياسية للدولة المغربية؛ فهو ليس مجرد احتفال رسمي، بل آلية لإعادة إنتاج الشرعية، وترسيخ الهوية الوطنية، وإظهار استمرارية الدولة، وإرسال رسائل إلى الداخل والخارج حول تماسك النظام السياسي واستقرار مؤسساته.

تميزت مراسيم عيد العرش في عهد الملك الحسن الثاني بأنها لم تكن مجرد احتفال سنوي بتولي الملك العرش، بل كانت مناسبة سياسية ودستورية ورمزية كبرى، يتم من خلالها تجديد شرعية المؤسسة الملكية، وإبراز تماسك الدولة، وترتيب العلاقات بين مختلف الفاعلين السياسيين والإداريين والعسكريين. وقد كانت كل تفاصيلها، من ترتيب الحضور إلى طبيعة الأنشطة الموازية، تحمل رسائل سياسية مدروسة.

      أولا: الترتيبات البروتوكولية للاحتفال بعيد العرش

كانت مراسيم عيد العرش  في عهد الملك الحسن الثاني تتكون من عدة محطات رئيسية: الاستقبالات الملكية

واستقبال كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، و استقبال أعضاء الحكومة والبرلمان ، و استقبال السفراء الأجانب ورؤساء البعثات الدبلوماسية، و استقبال الشخصيات الوطنية. حيث كان ترتيب الوفود يعكس هرم السلطة داخل الدولة، ويجسد مكانة كل مؤسسة. وقد شكل حفل الولاء ، أو البيعة ، ذروة الاحتفالات، حيث يصطف الولاة والعمال والمنتخبون، لتقديم فروض الطاعة للملك ، وتجديد الولاء بصورة جماعية ومنظمة. كما كانت مراسيم الاحتفال  بعيد العرش تتضمن إطلاق المدفعية، واستعراض وحدات من القوات المسلحة الملكية،    و مشاركة الحرس الملكي. حيث كان ذلك يبرز العلاقة الخاصة بين الملك والقوات المسلحة باعتباره القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة. كما كان الملك الحسن الثاني يمنح أوسمة لموظفين وعسكريين وشخصيات وطنية وأجنبية، بما يعكس سياسة المكافأة الرمزية وتعزيز الولاء للدولة.

      ثانيا: الدلالات السياسية لبروتوكول الاحتفال بعيد العرش

    لم يكن الاحتفال  بعيد العرش مجرد ذكرى تاريخية، بل كان مناسبة سنوية لإعادة تأكيد شرعية الملكية أمام الداخل والخارج. فالاحتفال كان يربط بين تجديد الشرعية الدينية، و الشرعية التاريخية ، و الشرعية الدستورية، وكذا الشرعية الوطنية.

         – الاحتفال بعيد العرش وتجسيد هرمية السلطة

 حيث كان البروتوكول  في عهد الملك الحسن الثاني يعكس بصورة دقيقة ترتيب المؤسسات داخل الدولة  من خلال الترتيب البروتوكولي التالي :

-الأسرة الملكية.

-كبار مستشاري الملك.

-الحكومة.

-البرلمان.

-القضاء.

-الجيش.

-الإدارة الترابية.

-المنتخبون.

وهذا الترتيب لم يكن شكلياً، بل يترجم تصور الدولة لتوزيع المكانة والسلطة.

كان عيد العرش مناسبة يلتقي فيها الملك بجميع الفاعلين السياسيين. حيث كان ترتيب الاستقبالات يحمل رسائل متعددة من بينها تحديد القرب من المؤسسة الملكية، و مستوى درجة الثقة، و مكانة كل مسؤول  في نظر الملك، وأولوية بعض الملفات. ولهذا كان السياسيون يولون اهتماماً كبيراً لمكانهم داخل البروتوكول.

     -الاحتفال بعيد العرش وإبراز وحدة الدولة

    عادة ما يجتمع في الاحتفال بعيد العرش كبار ضباط الجيش، ورؤساء المجالس العلمية ، ورؤساء الأحزاب ، ورئيسي مجلسي البرلمان ، ورؤساء المؤسسات العمومية ، بالإضافة إلى ممثلي السلك القضائي  والسلك الدبلوماسي…وكأن الدولة تعرض أمام الرأي العام صورة مؤسساتها مجتمعة تحت رئاسة الملك. كما كان حضور السفراء الأجانب يعكس الاعتراف الدولي باستقرار النظام السياسي المغربي. وبالتالي  فقد كان  الملك الحسن الثاني يستثمر هذه  المناسبة لإجراء لقاءات دبلوماسية وإرسال إشارات إلى شركاء المغرب.وهكذا فقد جمعت احتفالات الملك الحسن الثاني بعيد العرش بين البيعة التقليدية ، و البروتوكول الملكي الحديث.وبين المؤسسات الدستورية، والطقوس الدينية. وهو ما جعل عيد العرش يجسد خصوصية النظام السياسي المغربي، الذي يجمع بين المرجعية التاريخية وآليات الدولة الحديثة.

    ثالثا: البروتوكول كأداة للاتصال السياسي

كان الملك الحسن الثاني يدرك أن البروتوكول “لغة سياسية” بحد ذاته. لذلك كانت التفاصيل تحمل دلالات، منها:

من يحظى بالاستقبال أولاً ، ومدة المقابلات الملكية ، والجهة التي تجلس أقرب إلى الملك ، و ترتيب الشخصيات أثناء حفلات التوشيح ، و من يتقدم الصفوف في حفل الولاء. والشخصيات التي يحييها الملك مباشرة. وهذه العناصر كانت تقرأ باعتبارها مؤشرات على ميزان القوى داخل الدولة، وعلى درجة الرضا الملكي عن المؤسسات أو الشخصيات.

 من هنا ، يمكن القول إن مراسيم عيد العرش في عهد  الملك الحسن الثاني كانت مؤسسة سياسية قائمة بذاتها، تؤدي وظائف متعددة في آن واحد: سواء من خلال تجديد الشرعية الملكية، أو تنظيم العلاقة بين المؤسسة الملكية وباقي مؤسسات الدولة ، أو إعادة ترتيب النخب السياسية والإدارية رمزياً. بالإضافة إلى إظهاروحدة الدولة واستمرارية مؤسساتها، وكذا توجيه رسائل سياسية ودبلوماسية إلى الداخل والخارج. فالبروتوكول في عهد  الملك الحسن الثاني لم يكن مجرد قواعد لتنظيم الاحتفال، بل كان أداة من أدوات ممارسة السلطة والاتصال السياسي، تُترجم من خلالها أولويات الدولة وتوازناتها، وتفهم عبرها رسائل المؤسسة الملكية من خلال ترتيب الأشخاص والطقوس بقدر ما تُفهم عبر الخطابات الرسمية.

  3-الرمزية السياسية لمراسيم عيد العرش في عهد الملك محمد السادس

  شهدت احتفالات عيد العرش في عهد الملك محمد السادس تطوراً في الشكل مع الحفاظ على الثوابت. فقد اتجه البروتوكول إلى مزيد من الاختزال والمرونة، مع تقليص بعض المظاهر الاحتفالية مقارنة بعهد الملك الحسن الثاني، في مقابل تعزيز رمزية الأنشطة ذات البعد التنموي والاجتماعي، مع استمرار حضور حفل الولاء بوصفه أحد أبرز الطقوس السيادية. فمنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش في 30 يوليوز 1999، حافظت احتفالات عيد العرش على جوهرها الدستوري والرمزي، مع إدخال تعديلات على مستوى الشكل والبروتوكول بما يعكس أسلوباً أكثر مرونة واختصاراً مقارنة بعهد الملك الحسن الثاني، دون المساس بالثوابت المرتبطة بالملكية وإمارة المؤمنين والبيعة.

  1. عيد العرش والخطاب الملكي إلى الأمة

    يشكل الخطاب الملكي مساء 29 يوليوز أهم محطة في الاحتفال بعيد العرش، ويتضمن عادة تقييماً لأوضاع البلاد، و عرضاً للمنجزات والتحديات، وتوجيهات للسلطات والمؤسسات، وتحديد الأولويات الاستراتيجية للمرحلة المقبلة. وقد أصبح خطاب العرش مرجعاً سياسياً سنوياً يحدد التوجهات الكبرى للدولة.كما أن خطاب عيد العرش هو مناسبة تجدد فيها المؤسسة الملكية صلتها بالمواطنين. ومن ثم فإن الخطاب لا يقتصر على عرض المنجزات، بل يهدف أيضاً إلى مخاطبة مختلف فئات المجتمع، و شرح التوجهات المستقبلية، و تعبئة الفاعلين حول أولويات المرحلة.أي أنه يجمع بين المساءلة السياسية بالمعنى الواسع والتوجيه الاستراتيجي. بالإضافة إلى دور الخطاب الملكي في تثبيت الشرعية بالإنجاز. فشرعية الأنظمة السياسية  لا تقوم على أساس تاريخي أو دستوري فقط، بل يمكن أن تتعزز أيضاً بما يسمى شرعية الإنجاز .وفي هذا الإطار، فإن عرض المشاريع والنتائج في خطاب العرش يسهم في إظهار أن المؤسسة الملكية لا تستند فقط إلى الشرعية التاريخية ، و الشرعية الدينية، و الشرعية الدستورية، بل أيضاً إلى قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة في مجالات التنمية والاستقرار والدبلوماسية. إلى جانب ذلك فخطاب العرش مرتبط أيضا بتوجيه المسؤولية إلى المؤسسات التي تنفذ السياسة الملكية من حكومة التي تعتبر حكومة جلالة الملك ، وباقي المؤسسات الإدارية والتدبيرية التي يعين الملك مدراءها ومسيريها وكبار موظفيها بظهائر ملكية . وبالتالي ، فمن الملاحظ أن خطاب العرش لا يكتفي بإبراز المنجزات، بل يتضمن في كثير من الأحيان انتقاداً لبعض الاختلالات، أو دعوة الحكومة والإدارة إلى تحسين الأداء أو مساءلة غير مباشرة للمسؤولين عن تأخر بعض الأوراش. مما يعني أن خطاب العرش  يقدم صورة مركبة، فهو يجمع بين الاحتفاء بما تحقق والإقرار بما لم يتحقق والدعوة إلى تداركه. ففي كثير من الملكيات الدستورية والجمهوريات، توجد خطابات سنوية مثل خطاب حالة الاتحاد في الولايات المتحدة ، وخطاب الملك عند افتتاح البرلمان في بعض الملكيات الأوروبية ، غير أن خطاب  عيد العرش بالمغرب يتميز بأنه يجمع بين: البعد الاحتفالي المرتبط بعيد العرش، و البعد الدستوري ، والبعد التوجيهي ، والبعد التقييمي، من خلال استعراض حصيلة السنة وتحديد أولويات المرحلة المقبلة. وبالتالي يمكن القول إن خطاب العرش يشكل بالفعل مناسبة لعرض المنجزات التي تحققت في ظل قيادة الملك، وإبراز حصيلة الدولة أمام الشعب وعموم الأمة. لكنه لا يقتصر على ذلك ، فهو يؤدي في الوقت نفسه وظائف أخرى تتمثل في تقييم السياسات العمومية، وتوجيه الحكومة والإدارة ، وتحديد الأولويات الاستراتيجية. بالإضافة إلى تعزيز شرعية المؤسسة الملكية من خلال الجمع بين الشرعية التاريخية والشرعية الدستورية وشرعية الإنجاز. لذلك، فإن خطاب العرش يمكن اعتباره وثيقة سياسية سنوية ذات طابع تقييمي واستشرافي، تُبرز ما تحقق، وتشخص ما تعثر، وترسم الاتجاه الذي يُنتظر أن تسير فيه الدولة خلال المرحلة المقبلة.

2. عيد العرش وحفل الاستقبال الرسمي

خلال الاحتفال بعيد العرش ، الذي يفتتح بتحية العلم على أنغام النشيد الوطني، مع إطلاق طلقات المدفعية، في تأكيد لرمزية السيادة الوطنية والدولة ، يترأس الملك حفل استقبال رسمي يحضره: رئيس الحكومة ، و رئيسا مجلسي البرلمان، ورؤساء المؤسسات الدستورية، وكبار المسؤولين العسكريين والامنيين، ورؤساء البعثات الدبلوماسية ، وشخصيات وطنية وأجنبية. حيث يتقدم الحاضرون للسلام على الملك وفق ترتيب بروتوكولي يعكس مكانة المؤسسات داخل الدولة.وهكذا فالاستقبال الملكي لشخصيات من مختلف الأجهزة والقطاعات بمناسبة عيد العرش أو في مناسبات رسمية أخرى ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل يحمل دلالات سياسية ومؤسساتية ورمزية متعددة. حيث يمكن النظر إلى هذا الاستقبال باعتباره أحد أشكال “البروتوكول السياسي” الذي ينقل رسائل من خلال ترتيب الأشخاص، وتنوع القطاعات الممثلة، واختيار الشخصيات المدعوة.

     أولاً: تجسيد وحدة الدولة ودور الملك كحكم

 فعندما يستقبل الملك شخصيات تمثل: الحكومة، والبرلمان، و القضاء،و القوات المسلحة، والأمن الوطني،      و الدرك الملكي، والإدارة الترابية، والمؤسسات الدستورية، والمؤسسات العلمية ، و الفاعلين الاقتصاديين…فإن الرسالة الأساسية هي أن جميع هذه المؤسسات والقطاعات تشكل مكونات دولة واحدة، تتكامل وظائفها تحت رئاسة الملك باعتباره رئيس الدولة. كما أن تنوع الشخصيات المستقبلة يعكس أن الملك لا يمثل سلطة قطاعية أو مؤسسة بعينها، بل يقف على مسافة واحدة من مختلف السلط والمؤسسات، وهو ما ينسجم مع موقعه الدستوري باعتباره رئيس الدولة وضامن دوامها واستمرارها.

     ثانيا الاعتراف بالتميز والكفاءة

فعندما يُستقبل رياضيون حققوا إنجازات دولية، أو باحثون وعلماء، أو مستثمرون، أو رجال ونساء سلطة، أومسؤولون أمنيون أو عسكريون…فإن الاستقبال يحمل رسالة مفادها أن الدولة تعترف بالتميز وتمنحه قيمة رمزية، بما يشجع على ثقافة الاستحقاق وخدمة المصلحة العامة.

  ثالثا : تحديد أولويات الدولة

فاختيار الفئات المستقبلة ليس دائماً محايداً، بل قد يعكس أولويات المرحلة. فعلى سبيل المثال: إذا برز حضور رجال الأعمال، فقد يُقرأ ذلك في سياق التركيز على الاستثمار. وإذا حظي الرياضيون بحضور لافت، فقد يرتبط ذلك بالسياسة الرياضية أو بالاستعداد لتظاهرات كبرى.وإذا توسع حضور المسؤولين الترابيين، فقد يعكس اهتماماً بقضايا الجهوية أو التنمية المحلية. ومن ثمة، فإن تركيبة المدعوين قد تعكس، ولو بصورة غير مباشرة، أجندة الدولة في مرحلة معينة.

رابعا: إعادة إنتاج النخبة

يمثل الاستقبال الملكي أيضاً آلية لإضفاء الاعتراف الرمزي على بعض الشخصيات. فالظهور ضمن المدعوين قد يعزز مكانة المسؤول أو الفاعل داخل مؤسسته أو داخل الرأي العام، من دون أن يعني ذلك بالضرورة ترقية أو تغييراً في وضعه الوظيفي.

خامسا: تعزيز الثقة في المؤسسات

فعندما يرى المواطن أن ممثلي مختلف القطاعات يجتمعون في مناسبة وطنية واحدة، فإن ذلك يقدم صورة عن ترابط مؤسسات الدولة وتعاونها، ويعزز الإحساس باستمرارية النظام المؤسسي.

سادسا: الرسائل الدبلوماسية

حيث إذا شارك رؤساء البعثات الدبلوماسية أو شخصيات أجنبية، فإن الاستقبال يكتسب بعداً خارجياً، إذ يعكس انفتاح المملكة وعلاقاتها الدولية، ويتيح فرصة لإبراز مكانة المغرب وشبكة شراكاته.

سابعا: البعد التواصلي

فالصور الرسمية التي تُنشر لهذه الاستقبالات تؤدي وظيفة اتصالية مهمة، إذ تبرز: تنوع مؤسسات الدولة،     وحضور مختلف النخب. بالإضافة إلى التفاعل المباشر بين الملك وهذه الشخصيات. وهكذا تسهم التغطيات الإعلامية  في بناء صورة عن الدولة باعتبارها منظومة مؤسسات متكاملة.

وبالتالي ، فيمكن اعتبار الاستقبال الملكي آلية لإدارة الرموز السياسية أكثر منه مجرد لقاء تشريفي. فهو يحقق ثلاث وظائف متكاملة:

*وظيفة تكاملية: من خلال جمع ممثلي مؤسسات وقطاعات مختلفة في فضاء رمزي واحد.

*وظيفة تواصلية: عبر توجيه رسائل إلى الرأي العام حول أولويات الدولة ومكانة المؤسسات.

*وظيفة شرعوية: إذ يربط بين المؤسسة الملكية وباقي مؤسسات الدولة، ويجسد دورها بوصفها مركزاً رمزياً لوحدة الدولة واستمراريتها.

ولهذا السبب، يهتم الباحثون في البروتوكول السياسي ليس فقط بمن حضر الاستقبال، وإنما أيضاً بترتيب الحضور، وتوقيت الاستقبال، وتنوع القطاعات الممثلة، وأحياناً حتى بغياب شخصيات معينة، لأن هذه العناصر قد تحمل دلالات سياسية أو مؤسساتية في دينامية نظام الحكم بالمغرب وتطوراته وتفاعلاته مع محيطه السياسي الوطني والإقليمي وحتى الدولي .

  يظل حفل الولاء من أبرز الطقوس الرسمية، ويقام عادة في المشور الملكي، حيث يقدم وزير الداخلية والولاة والعمال الولاء أولاً ،ثم تتقدم وفود ممثلة لمختلف جهات المملكة ليختتم الحفل بإطلاق المدفعية. ويمثل الحفل تجديداً رمزياً للرابطة بين العرش والشعب كما تعبر عنها التقاليد الدستورية والسياسية المغربية. غير أن الملك محمد السادس عمل على التخفيف من ثقل مراسيم حفل الولاء مقارنة بعهد الملك الحسن الثاني، لكن هذا التخفيف كان في الشكل والبروتوكول أكثر منه في المبدأ أو الدلالة الدستورية والسياسية. فحفل الولاء ظل قائماً باعتباره أحد الطقوس السيادية المرتبطة بالمؤسسة الملكية، إلا أن طريقة تنظيمه شهدت قدراً من التبسيط والمرونة.  حيث انعكس ذلك من خلال المظاهر التالية :

      أولاً: تبسيط الشكل البروتوكولي

في عهد الملك الحسن الثاني، كان حفل الولاء يتميز بـ حضور عدد كبير جداً من ممثلي مختلف الأقاليم والقبائل والإدارات، و امتداد المراسيم لفترة زمنية أطول. بالإضافة إلى حضور إعلامي مكثف يركز على تفاصيل الطقس البروتوكولي. أما في عهد الملك محمد السادس، فأصبحت المراسيم أكثر اختصاراً من حيث الزمن، و أكثر تنظيماً من حيث عدد المشاركين ومسار الحفل، وأقل زخماً مقارنة بسبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.  كما واكب هذا التبسيط  المرونة في مكان الاحتفال، حيث لا تقتصر المراسيم على العاصمة الرباط، بل يمكن أن تقام في مدن الإقامة الملكية الصيفية، مثل تطوان أو المضيق، بحسب البرنامج الملكي.

ثانياً: تقليص الطابع الاستعراضي

كان الملك الحسن الثاني يوظف الاحتفالات الكبرى  خاصة الاحتفال بعيد العرش  لإبراز هيبة الدولة في سياق اتسم أحياناً بالتوترات السياسية ومحاولات الانقلاب وبناء السلطة المركزية.أما في عهد محمد السادس، فقد أصبحت الصورة الملكية تميل إلى القرب من المواطنين و البساطة النسبية في الظهور العام. بالإضافة إلى التركيز على الأنشطة التنموية والاجتماعية إلى جانب الطقوس التقليدية. لذلك لم يعد حفل الولاء يحتل وحده المشهد الإعلامي كما كان في السابق. فقد حرص الملك محمد السادس على عدم إلغاء الحفل، لأن ذلك قد يفهم باعتباره تخلياً عن أحد الرموز التاريخية للملكية المغربية، لكنه في المقابل سعى إلى تقديمه ضمن إطار يبدو أكثر انسجاماً مع الدولة الحديثة. فأصبح الحفل يعكس فكرة مفادها أن البيعة تقليد تاريخي ، لكنها تمارس داخل نظام دستوري يقوم أيضاً على المؤسسات والانتخابات والقانون. بل أنه خلال بعض السنوات، ولا سيما أثناء جائحة كوفيد-19، تم إلغاء أو تقليص عدد من الأنشطة المرتبطة بعيد العرش، بما فيها حفل الولاء، لأسباب صحية. وقد أظهر ذلك أن المؤسسة الملكية قادرة على تكييف الطقوس البروتوكولية مع الظروف الاستثنائية دون المساس برمزيتها الأساسية. وبالتالي ، يمكن تفسير هذا التطور في إطار تحول أوسع في أسلوب ممارسة السلطة. ففي عهد الملك الحسن الثاني، كان البروتوكول وسيلة قوية لإبراز هيبة الدولة ومركزية الملكية في مرحلة بناء النظام السياسي وتثبيته. أما في عهد الملك محمد السادس، فقد أصبح البروتوكول يميل إلى الجمع بين الاستمرارية والتحديث، مع الحفاظ على الرموز التاريخية ولكن في صيغة أقل استعراضاً وأكثر انسجاماً مع صورة ملكية تسعى إلى الظهور بمظهر قريب من المجتمع ومنطق الدولة المؤسساتية. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين التخفيف البروتوكولي والتغيير في الوظيفة السياسية. فحفل الولاء ما زال يؤدي وظائف رمزية مهمة، منها تجديد الارتباط بين المؤسسة الملكية والدولة، والتأكيد على استمرارية النظام السياسي، وإبراز مكانة الملك بوصفه رئيس الدولة وأمير المؤمنين. لذا فإن ما تغير هو أسلوب الإخراج البروتوكولي أكثر من المعنى السياسي والرمزي للحفل.

  وهكذا تتميز احتفالات عيد العرش في عهد الملك محمد السادس بأنها انتقلت من نموذج احتفالي كثيف إلى نموذج مؤسساتي أكثر تركيزاً. فقد بقيت العناصر الأساسية، مثل الخطاب الملكي، وحفل الاستقبال، وحفل الولاء، وتحية العلم، قائمة، لكنها أصبحت تقدم في إطار بروتوكول أكثر مرونة واختصارا. وفي الوقت نفسه، ظل عيد العرش مناسبة سنوية لتجديد الشرعية السياسية والرمزية للمؤسسة الملكية، وإبراز تماسك مؤسسات الدولة، وتوجيه الرسائل الاستراتيجية إلى الداخل والخارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى