دراسة: الشائعات ليست السبب الوحيد.. فجوة التنمية تدفع الشباب إلى الهجرة

أميمة حدري

خلصت دراسة صادرة عن المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) إلى أن الشائعات الرقمية التي رافقت أحداث العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة لم تكن سوى عامل مسرع للأزمة، بينما تعود أسبابها الأساسية إلى اختلالات تنموية واجتماعية واقتصادية أعمق، وفي مقدمتها محدودية فرص الشغل، وضعف الإدماج، واتساع الفجوة بين تطلعات الشباب والفرص المتاحة أمامهم.

وأوضحت الدراسة أن التركيز على الأخبار المضللة وحدها لا يقدم تفسيرا كاملا لما جرى، إذ إن الرسائل التي انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي وجدت بيئة مهيأة للاستجابة، في ظل استمرار تحديات ترتبط بالبطالة والهشاشة وضعف قنوات الوساطة والتأطير، معتبرة أن معالجة الظاهرة تقتضي معالجة أسبابها البنيوية قبل الاكتفاء بالتصدي لمظاهرها.

وسجلت الدراسة أن الأسرة تظل الفاعل الأول في مواكبة الشباب وتوفير الدعم والتوجيه، غير أن تحميلها المسؤولية الكاملة لا يعكس التحولات الاجتماعية والديمغرافية التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، والتي شملت تقلص حجم الأسرة، واتساع رقعة التمدن، وارتفاع عدد الأسر التي تعيلها نساء، إلى جانب تغير أنماط العمل والاستقرار، وهو ما انعكس على الزمن والإمكانات المتاحة للرعاية والمتابعة.

وأكدت الوثيقة أن دعم الأسرة يقتضي تعزيز الخدمات العمومية الموجهة للشباب، من قبيل التوجيه المدرسي، وخدمات الصحة النفسية والاجتماعية، والأنشطة الرياضية والثقافية، وبرامج الوقاية من الإدمان والعنف، فضلاً عن مواكبة المنقطعين عن الدراسة، بما يحد من عوامل الهشاشة التي قد تدفع بعض الشباب إلى البحث عن بدائل خارج المسارات النظامية.

كما حملت الدراسة المؤسسات الوسيطة جانبا من المسؤولية، معتبرة أن المدرسة، والجمعيات، ودور الشباب، والأحزاب السياسية، والنقابات، ووسائل الإعلام المحلية، مطالبة باستعادة أدوارها في التأطير والإنصات وإشراك الشباب في الحياة العامة، محذرة من أن غياب هذه الفضاءات يترك المنصات الرقمية لتصبح الوسيط الوحيد، رغم أن منطقها يقوم على سرعة الانتشار وجذب الانتباه أكثر من ترسيخ المعرفة الدقيقة.

وفي السياق ذاته، استعرضت الدراسة مؤشرات مرتبطة برغبة الشباب في الهجرة، مشيرة إلى نتائج استطلاعات للرأي أظهرت ارتفاع نسبة الراغبين في الهجرة بين الفئة العمرية من 18 إلى 29 سنة، مع تصدر الدوافع الاقتصادية للأسباب المحفزة على المغادرة، مقابل استمرار وجود مؤشرات تعكس قدرا من الثقة في استقرار البلاد وتحسن أوضاعها الاقتصادية، وهو ما اعتبرته الدراسة دليلا على أن الرغبة في الهجرة لا تعني بالضرورة تراجع الانتماء، بقدر ما تعكس بحثا عن فرص أفضل لتحقيق المشروع الشخصي.

وتوقفت الدراسة عند التحولات الديمغرافية التي يشهدها المغرب، موضحة أن تراجع معدل الخصوبة وارتفاع نسبة التمدن وتزايد حصة كبار السن يضع البلاد أمام تحدي استثمار نافذتها الديمغرافية قبل تقلصها، معتبرة أن استمرار أعداد كبيرة من الشباب خارج التعليم والعمل والتكوين يهدد بتحويل هذه الفرصة إلى عبء اقتصادي واجتماعي في المستقبل.

وفي هذا الإطار، أبرزت الدراسة أن نحو 2.94 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة كانوا خارج التعليم والعمل والتكوين خلال سنة 2023، وهو ما يمثل 33.6 في المائة من هذه الفئة العمرية، مؤكدة أن استمرار هذه الوضعية لا يؤدي فقط إلى فقدان فرص الدخل، بل ينعكس أيضا على تراكم المهارات والخبرة والثقة بالنفس، ويزيد من صعوبة الاندماج في سوق الشغل.

وخلصت الدراسة إلى أن الحد من الهجرة غير النظامية يمر عبر مراجعة السياسات العمومية الموجهة للشباب، وتعزيز فرص التشغيل والتكوين، ودعم الأسرة والمؤسسات الوسيطة، وتحسين التواصل العمومي، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويوفر للشباب آفاقا واقعية داخل الوطن، بدل الاقتصار على معالجة تداعيات الأزمات بعد وقوعها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى