
سومية منصف حجي/ عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية
تفاجأت بمقال حول أحداث سبتة الأخيرة يحمل فيه صاحبه، وهو أحد المفكرين، مدونة الأسرة الحالية مسؤولية الإخفاق في إدماج الشباب الذين لا يتوفرون على تعليم أو تكوين أو شغل.
استنتاج يجعلنا نتحسر على كل هذا الوقت الذي أضاعه المختصون في دراسة البطالة البنيوية والهدر المدرسي و غياب التغطية الاجتماعية والتفاوتات الطبقية والمجالية وغيرها من الأعطاب التي يعاني منها مجتمعنا …. ليتبين لنا في النهاية أن المتهم الحقيقي والمباشر هو مشاركة المرأة زوجها في مسؤولية الأسرة بدل أن تظل تحت سلطته الأبوية المباشرة.
وفق هذا المنطق المدهش، فإن نصاً قانونياً صدر قبل عقدين من الزمن أصلح بعض مظاهر الجور التاريخي ضد النساء، تحول فجأة إلى مفاعل نووي ينتج البطالة والهدر المدرسي والعنف في أطراف المدن
إن من الأبجديات المعروفة أن الظواهر الاجتماعية المعقدة مثل ظاهرة NEET هي نتاج حتمي لفشل السياسات العمومية في الإدماج الاقتصادي وفي أزمة المدرسة العمومية وغياب مراكز الرعاية والترفيه الاجتماعي والثقافي في الأحياء المهمشة. ولكن، ما أسهل أن نعفي السياسات الاقتصادية والاجتماعية من الحساب، عبر توجيه أصابع الاتهام لحقوق المرأة.
يتأسف المقال على تقلص سلطة الأب لصالح التكافؤ بين الزوجين، ويربط بين الأسر ذات العائل الواحد والجنوحنحو العنف. وهنا، سنطرح السؤال التالي: هل كان الأب السلطوي في زمن ما قبل 2004 يوفر لابنه بطاقة الشغل والتغطية الصحية والمدرسة الرائدة بضربة عصا؟ هل التكافؤ والتشارك في إدارة الأسرة – كما ينص دستور 2011 هو ما يمنع الشباب من الذهاب إلى المدرسة أو إيجاد فرصة عمل؟
إن الأسر ذات العائل الواحد والتي تقودها النساء في أغلب الحالات بسبب الطلاق أو الترمل أو التخلي لا تعاني لأن المرأة أصبحت مساوية للرجل قانونياً، بل تعانى لأن منظومة النفقة والحماية الاجتماعية قاصرة ولأن المجتمع يُعاقب المرأة المكتفية بذاتها بدل أن يدعمها إن الجنوح في الهوامش ليس وليد غياب السلطة الذكورية، بل هو وليد غياب الدولة الاجتماعية في تلك المناطق.
إن الاعتقاد بأن مدونة 2004 هي السبب وراء مأساة سبتة هو ادعاء يفتقر للواقعية الميدانية. فالنساء اللواتي تتواجدن يوميا في المحاكم يعرفن أن مدونة 2004 – رغم أهميتها التاريخية حينها أصبحت اليوم تتخلف بعقود عن الواقع الاجتماعي وعن المقتضيات المتقدمة لدستور 2011 (خاصة الفصل 19 الداعي للمساواة والمناصفة، وعن الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب هل إكراهات طلاق الشقاق، وثغرات زواج القاصرات، وتناقضات الولاية القانونية، والأموال المكتسبة خلال الزواج وغيرها … هي التي تصنع جنوحالشباب؟ أم إن استمرار هذه الثغرات هو الذي يعمق الفقر والهشاشة داخل الأسر، ويجعل النساء والأطفال الضحية الأولى للفقر والتهميش؟
إن النضال من أجل مدونة أسرة عصرية عادلة، ومتكافئة، ليس رفاهية فكرية ولا استيراداً لمفاهيم غربية، بل هو شرط أساسي لبناء أسر متماسكة وقوية الأسر القوية التي لا تبنى على القهر والقوامة المطلقة، بل على المواطنة والشراكة والكرامة والمساواة في غياب تام لأي شكل من أشكال العنف.
لدى وبدلاً من تحويل المرأة وحقوقها إلى مشجب تعلق عليه الخيبات الاقتصادية والاجتماعية، حري بالتحليل الجاد أن يوجه بوصلته نحو مكامن الخلل الحقيقية تعليم يناسب العصر، اقتصاد يتيح الفرص للجميع، وسياسات عمومية تحفظ كرامة المواطن والمواطنة على حد سواء.
أما القول بأن حقوق المرأة هي السبب في بطالة الشباب وعنفهم…. فهو لا يعدو كونها قراءة مقلوبة للواقع، تذكرنا بمن يلوم النشرة الجوية لأن المطر تسبب في تسرب المياه من سقف بيته المتهالك.





