سيارات الجماعات في خدمة العائلات.. رصد يعيد سؤال المال العام إلى الواجهة

مديحة المهادنة

خبر_لم تعد مظاهر استغلال سيارات الجماعات الترابية خارج أوقات العمل مجرد حالات معزولة يمكن تبريرها بمهام استعجالية أو تنقلات إدارية طارئة. فقد رصد فريق “إعلام تيفي” سيارة تابعة لمرفق جماعي وهي تُستعمل خارج زمن الخدمة لنقل أفراد عائلة كاملة، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول حدود استعمال ممتلكات اقتُنيت وصينت وتُموَّل يومياً من جيوب المواطنين.

المشهد لا يتعلق بسيارة خاصة لمسؤول أو موظف، بل بمركبة عمومية يفترض أن تكون مرتبطة حصراً بمهام إدارية واضحة ومحددة. غير أن تحويلها إلى وسيلة لنقل أفراد الأسرة وقضاء الأغراض الشخصية يكشف عن انزلاق خطير في تدبير الملك الجماعي، حين يصبح ما هو مخصص لخدمة السكان امتيازاً شخصياً مفتوحاً خارج أوقات الدوام، ودون أن تظهر أي صلة بين التنقل المسجل والمصلحة العامة.

الكلفة هنا لا تتوقف عند استهلاك بضعة لترات من الوقود، بل تشمل الصيانة والتأمين والإصلاح وتآكل المركبة، فضلاً عن المسافات التي تُقطع لأغراض لا علاقة لها بالخدمة العمومية. وكل هذه المصاريف تُؤدى من ميزانية الجماعة، أي من الرسوم والضرائب التي يؤديها المواطن، في وقت تشتكي فيه جماعات عديدة من ضعف الإمكانات وتبرر تأخر المشاريع والخدمات بندرة الموارد.

الأخطر من الاستعمال نفسه هو ما يكشفه من خلل في منظومة المراقبة. فخروج سيارة جماعية بعد انتهاء ساعات العمل، واستعمالها لنقل عائلة، لا يمكن اعتباره مجرد تصرف فردي عابر، بل يطرح أسئلة مباشرة حول الجهة التي سلمت المركبة، والمسؤول الذي سمح بخروجها، ومدى احترام دفاتر السير وأوامر المأموريات، وكيفية تتبع استهلاك الوقود وتحركات الأسطول.

السيارة الجماعية ليست امتيازا دائما، وليست تعويضا غير معلن عن النقل الشخصي، ولا ملكية قابلة للاستعمال العائلي. إنها أداة عمومية محددة الوظيفة، تنتهي شرعية استعمالها بانتهاء المهمة المرتبطة بها. وأي استخدام خارج هذا الإطار يمثل مساساً بمبدأ ترشيد النفقات، وضربا لمقتضيات ربط المسؤولية بالمحاسبة، ولو لم يتخذ شكل اختلاس مباشر.

ما رصده فريق  “إعلام تيفي “يعيد إلى الواجهة سؤالاً ظل مطروحاً داخل عدد من الجماعات: من يراقب سيارات المرفق العمومي بعد انتهاء الدوام؟ وهل تُراجع دفاتر تنقلها فعلياً، أم تتحول بعض المركبات بمجرد مغادرة المقر الإداري إلى سيارات خاصة تُستعمل لقضاء شؤون الأسر والتنقل إلى الأسواق والمقاهي والمراكز التجارية؟

استمرار هذه الممارسات يوسع الفجوة بين خطاب ترشيد المال العام والواقع الميداني. فلا يمكن مطالبة المواطنين بتحمل ضعف الخدمات، أو قبول تأخر مشاريع القرب، بينما تُستهلك موارد الجماعة في تنقلات عائلية لا تخدم سوى مصالح أشخاص يفترض فيهم حماية الممتلكات الموضوعة تحت تصرفهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى