
أميمة حدري
في أعقاب محاولات العبور الجماعي التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة، وما رافقها من نقاش واسع حول أوضاع الشباب المغربي وأسباب تفاقم ظاهرة الهجرة غير النظامية، تتجدد الأسئلة بشأن مسؤولية السياسات العمومية والأحزاب السياسية في استيعاب مؤشرات الاحتقان الاجتماعي قبل أن تتحول إلى أزمات ميدانية.
وبين من يربط ما جرى بشبكات التهريب والتضليل الرقمي، ومن يعتبره انعكاسا لاختلالات اقتصادية واجتماعية وسياسية أعمق، يبرز الجدل حول سبل استعادة ثقة الشباب في المؤسسات وإيجاد بدائل حقيقية للهجرة.
وفي هذا الحوار مع “إعلام تيفي“، تتحدث جويرية لفحل، المستشارة الجماعية بمدينة تطوان عن الحزب الاشتراكي الموحد، عن رؤيتها للأسباب التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم، وتناقش مسؤولية الحكومة والأحزاب السياسية في معالجة جذور الأزمة، كما تقدم تصور حزبها لمعالجة أوضاع المناطق الشمالية، وتقييمها لقدرة الخطاب السياسي على استعادة ثقة الأجيال الجديدة.
بداية، ما مسؤولية الحكومة في معالجة العوامل التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم؟
ما وقع في سبتة ومليلية المحتلتين يطرح في جوهره سؤالا يتفرع عنه كل النقاش اللاحق: لماذا تتسع في بلادنا الفجوة بين ما تعرفه الدولة عن أوضاع المجتمع وما تفعله فعليا لمعالجتها؟. فالمعطيات لم تكن غائبة، ولم تفاجأ الحكومة بظهور البطالة أو بانسداد الأفق أمام الشباب والشابات. المؤسسات الوطنية نفسها ظلت تنبه إلى خطورة الوضع.
إذ تفيد المندوبية السامية للتخطيط بأن 2.9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة كانوا خارج العمل والدراسة والتكوين، أي ما يقارب شابا من كل ثلاثة، فيما بلغ معدل البطالة وسط الشباب بين 15 و24 سنة خلال سنة 2025 حوالي 37.2 في المائة. هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات تقنية، بل تعكس إقصاء اجتماعيا واسعا وإهدارا لطاقة بشرية يفترض أن تكون أساس التنمية.
لذلك لا يمكن اختزال ما حدث في كونه حادثا حدوديا أو مشكلة أمنية مرتبطة بشبكات التهريب والتضليل على وسائل التواصل الاجتماعي.
صحيح أن هذه الشبكات تستغل الثغرات القانونية وتروج أوهاما حول سهولة العبور، لكنها لا تصنع اليأس من العدم إنها تجد أرضية خصبة في البطالة والهشاشة والشعور بانعدام العدالة، ثم تستثمر فيها.
عندما يصبح البحر، بكل ما يحمله من احتمال الموت، أكثر إغراء للشاب من البقاء في وطنه، فنحن لا نكون أمام أزمة هجرة فقط، بل أمام أزمة ثقة في المستقبل وفي المؤسسات وفي جدوى الانتظار.
والمقاربة الأمنية قد تمنع محاولة عبور مؤقتا، لكنها لا تجيب عن السؤال الحقيقي: لماذا يريد كل هؤلاء الشباب المغادرة أصلا؟ تتحمل الحكومة المسؤولية السياسية الأولى، لأنها تملك سلطة القرار والميزانية وأدوات تنفيذ السياسات العمومية.
غير أن معالجة الأزمة لا تتطلب فقط برامج اجتماعية ظرفية، بل تستوجب إصلاحات سياسية ودستورية عميقة تجعل الحكومة صاحبة القرار التنفيذي الحقيقي، وتجعل البرلمان قادرا على مراقبتها ومساءلتها، وتضمن استقلالا فعليا للقضاء حتى لا تبقى المحاسبة مجرد شعار. فلا يمكن تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة إذا كانت المسؤوليات موزعة وغير واضحة.
كما أن أزمة الثقة ترتبط أيضا باستمرار الريع وتضارب المصالح. ويمكن في هذا السياق استحضار الجدل الذي أثير حول مشروع تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، بعد فوز تحالف يضم شركات مرتبطة بالمجموعة الاقتصادية لرئيس الحكومة بالمشروع. وبينما أكدت الحكومة أن المسطرة كانت شفافة وقانونية، أثارت المعارضة أسئلة مشروعة حول الجمع بين موقع اتخاذ القرار العمومي والمصالح الاقتصادية الخاصة.
والمشكل هنا لا يتعلق فقط بالحكم على صفقة بعينها، بل بضرورة وجود قانون واضح وصارم لتدبير حالات تضارب المصالح، يفرض التصريح بالمصالح والامتناع عن المشاركة في القرارات المرتبطة بها، ويضمن مراقبة مستقلة للصفقات العمومية.
والأمر نفسه يطرح في قطاع المحروقات. فقد صادق مجلس المنافسة سنة 2023 على اتفاقات صلح مع تسع شركات تنشط في تموين وتخزين وتوزيع الغازوال والبنزين، مع فرض غرامات وتعهدات مرتبطة باحترام المنافسة. وهذا يؤكد أن النقاش حول أسعار المحروقات ليس مجرد جدل سياسي، بل يرتبط ببنية السوق ودرجة تركيزها وشفافية تكوين الأسعار وقدرة مؤسسات الرقابة على حماية المستهلك.
لا يمكن أن نطلب من المواطن تحمل ارتفاع تكاليف النقل والغذاء والخدمات، بينما تظل الأرباح وهوامش الفاعلين الكبار بعيدة عن النقاش والمراقبة. كما لا ينبغي أن يتحمل المواطن وحده كلفة إصلاح صندوق المقاصة. فقد ارتفع سعر قنينة غاز البوتان من فئة 12 كيلوغراما بعشرة دراهم ابتداء من 20 ماي 2024، في إطار التقليص التدريجي للدعم. وحتى إن استمر جزء مهم من دعم الدولة، فإن أي إصلاح يجب أن يضمن حماية حقيقية للأسر الفقيرة والمتوسطة، لا أن يبدأ برفع الأسعار قبل ضمان عدالة الأجور والدخل وتوجيه الدعم بصورة فعالة.
وفي قطاع الغاز الطبيعي نفسه، سبق لمجلس المنافسة أن أصدر رأيا سلبيا بشأن مشروع القانون المنظم للقطاع، بسبب افتقاره إلى الدقة والوضوح في عدد من المقتضيات المتعلقة بالتموين والتوزيع والولوج إلى المنشآت. وهذا يبين أن حماية المصلحة العامة تتطلب مؤسسات ضبط مستقلة وقوانين تمنع الاحتكار وتضمن المساواة بين الفاعلين.
لذلك فإن مواجهة أزمة الشباب تقتضي، إلى جانب خلق فرص الشغل، إقرار قانون فعلي لمحاربة تضارب المصالح والإثراء غير المشروع، وتقوية مجلس المنافسة وهيئات الحكامة، وإخضاع الصفقات الكبرى للشفافية والمراقبة، وربط المسؤولية السياسية والاقتصادية بالمحاسبة القضائية.
كما تقتضي سياسة اقتصادية تخلق فرص شغل لائقة ومستقرة، وتربط التكوين بحاجيات كل جهة، وتقيم مناطق صناعية منتجة في المناطق المهمشة، وتدعم المقاولات الصغيرة والتعاونيات والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وتعيد الاعتبار إلى المدرسة والجامعة والمستشفى العمومي. فالاستقرار لا يتحقق فقط بحراسة الحدود، بل بتحقيق العدالة الاجتماعية والكرامة والأمل. والمواطن ليس عنصرا ثانويا في المشروع التنموي، بل هو أساس التنمية وغايتها.
لماذا لم تستطع الأحزاب السياسية التقاط مؤشرات الاحتقان لدى الشباب قبل أن تتحول إلى محاولات عبور جماعي؟
في الحقيقة، مؤشرات الاحتقان لم تكن خفية. البطالة، والهدر المدرسي، وتراجع الخدمات العمومية، وغلاء المعيشة، وصعوبة الولوج إلى السكن، وانتشار الشعور بالحكرة وغياب تكافؤ الفرص، كلها كانت رسائل واضحة.
وكان الإنذار الأبرز قبل أشهر في احتجاجات شباب “جيل زد 212″، التي رفعت مطالب تتعلق بإصلاح الصحة والتعليم، وتوفير فرص الشغل، ومحاربة الفساد، ومراجعة أولويات الإنفاق العمومي.
لقد عبر هؤلاء الشباب بوضوح عن رفضهم لنموذج يخصص إمكانيات كبيرة للبنيات الرياضية والاستعراضية، بينما يعاني المستشفى والمدرسة العموميان من اختلالات عميقة. لم يكن ذلك احتجاجا عابرا، بل كان مؤشرا مبكرا على أزمة ثقة اجتماعية وسياسية لم تقرأ بالجدية المطلوبة.
المشكلة إذن ليست أن الأحزاب لم تكن تعرف، بل إن جزءا كبيرا منها فقد قدرته على تحويل المعرفة إلى فعل سياسي. فالأحزاب المشاركة في الحكومات تتحمل مسؤولية أكبر، لأنها امتلكت سلطة القرار والتنفيذ، لكنها انشغلت في كثير من الأحيان بتبرير السياسات الحكومية والدفاع عن الحصيلة، بدل الإنصات إلى الاحتقان المتصاعد داخل المجتمع.
وفي الوقت نفسه، تعيش الأحزاب عموما أزمة وساطة حقيقية. لقد ابتعد جزء منها عن الأحياء والجامعات ومراكز التكوين وفضاءات الشباب، وأصبحت علاقته بالمواطن موسمية، ترتبط بالانتخابات أكثر مما ترتبط بالإنصات والتأطير والترافع المستمر. لذلك صار جيل كامل يعبر عن غضبه عبر المنصات الرقمية خارج القنوات الحزبية والنقابية التقليدية.
لذلك فإن استعادة الثقة تستوجب إصلاحا عميقا للمنظومة الانتخابية، يبدأ بإسناد الإشراف القضائي الكامل على مختلف مراحل العملية الانتخابية، في إطار هيئة وطنية مستقلة للانتخابات، محايدة عن السلطة التنفيذية وعن المصالح الحزبية، فالإصلاح الانتخابي ليس مسألة تقنية تتعلق بطريقة احتساب المقاعد فقط، بل هو شرط لإعادة الاعتبار إلى السياسة. فالشباب لن يؤمن بالمشاركة إذا كان يرى أن المال والريع والعلاقات أقوى من الكفاءة والبرنامج والاختيار الشعبي.
لكن من واجبنا أن نكون منصفين أيضا: حزب المعارضة الذي لا يشارك في الحكومة يستطيع التنبيه والترافع وطرح البدائل، لكنه لا يملك سلطة التنفيذ. وقد نبه الحزب الاشتراكي الموحد، عبر مواقفه وأسئلته البرلمانية ونضالاته الميدانية، إلى خطورة البطالة والتهميش والفوارق المجالية.
غير أن هذا لا يعفينا من ممارسة نقد ذاتي صريح. فحتى أحزاب المعارضة واليسار لم تنجح دائما في الوصول إلى كل فئات الشباب، ولم تستطع بناء آليات استماع دائمة تواكب التحولات السريعة في طرق التعبير والتنظيم. لا يكفي أن نطرح سؤالا برلمانيا كل بضعة أشهر، بينما يتشكل الغضب يوميا على هاتف كل شاب وشابة.
السؤال الذي يجب أن تطرحه الأحزاب على نفسها هو: هل ما زلنا نعتبر الشباب مجرد فئة نستحضرها في البرامج والخطب، أم أننا مستعدون لمنحهم سلطة حقيقية داخل الأحزاب، في صياغة البرامج واختيار المرشحين واتخاذ القرار؟
إن الأحزاب التي لا تنصت إلى نبض المجتمع في الأوقات العادية، ستجد نفسها عاجزة عن فهم انفجاراته في لحظات الأزمة. واستعادة وظيفة الوساطة تقتضي إعادة بناء الأحزاب من القاعدة، وتجديد نخبها وخطابها وأدواتها، والانفتاح على الأشكال الجديدة للمشاركة السياسية، بدل انتظار الشباب حتى يأتوا إلى مقرات لم يعودوا يرون أنفسهم فيها.
تفاعلا مع جوابكم، ما الذي قدمته الأحزاب، بما فيها حزبكم، للشباب في المناطق الشمالية حتى لا يكون خيار الهجرة هو البديل؟
ينبغي أن ننطلق أولا من خصوصية مناطق الشمال، لأنها لا تعاني فقط من المشكلات البنيوية العامة التي يعاني منها الشباب المغربي، بل تحمل أيضا آثار فترات من التهميش السياسي والاقتصادي الممنهج الذي تعرضت له أجزاء من الشمال والريف خلال مراحل سابقة من تاريخ المغرب.
ورغم المشاريع التي أطلقت لاحقا، فإن آثار ذلك التهميش لم تختف كليا. فما تزال المنطقة تعاني من ضعف الاستثمار المنتج، ومن الفوارق بين المدن والمجالات القروية والجبلية، ومن محدودية الخدمات الصحية والجامعية، ومن تعثر عدد من المشاريع التنموية.
كما شكل إغلاق باب سبتة ووقف ما كان يعرف بالتهريب المعيشي تحولا ضروريا من حيث محاربة اقتصاد الإذلال والاستغلال، خصوصا ما كانت تتعرض له النساء الممتهنات للتهريب المعيشي. لكن الخطأ هو أن الإغلاق لم ترافقه بدائل اقتصادية حقيقية تدمج آلاف المتضررين، من شباب ونساء وأسر، في سوق الشغل.
لقد أدى إغلاق المعبر إلى ركود اقتصادي واجتماعي واضح في الفنيدق والمناطق المجاورة، بينما تأخرت المشاريع البديلة عن الاستجابة لحجم الأزمة. وهذا يؤكد أن القرارات الكبرى، حتى عندما تكون مبررة، لا ينبغي اتخاذها دون دراسة آثارها الاجتماعية ووضع بدائل جاهزة قبل تنفيذها.
لا يكفي أن نقول لشباب المنطقة إن اقتصاد التهريب غير قانوني أو غير كريم، وهو كذلك بالفعل، بل يجب أن نقدم لهم بديلا قانونيا وكريما ومنتجا. وهذا يستوجب إرادة سياسية واستراتيجية اقتصادية خاصة بالمناطق المتضررة من إغلاق المعابر، لا مجرد مساعدات ظرفية أو برامج صغيرة محدودة الأثر.
وفي تطوان تحديدا، نواجه إشكالا مرتبطا بطبيعة الاختيارات الاقتصادية التي رسمت للمدينة. فقد جرى التعامل مع تطوان أساسا بوصفها مدينة سياحية وخدماتية، دون بناء قاعدة صناعية وإنتاجية قادرة على خلق فرص شغل مستقرة ومستمرة طيلة السنة.
السياحة قطاع مهم، لكنها لا تستطيع وحدها استيعاب أعداد الخريجين والعاطلين، كما أن جزءا كبيرا من فرصها موسمي وهش وضعيف الأجر. في المقابل، تعاني المنطقة الصناعية من محدودية جاذبيتها وضعف عدد الوحدات المنتجة وقدرتها التشغيلية، مقارنة بما تحتاجه المدينة والإقليم.
وقد سبق لفريق الحزب الاشتراكي الموحد بالمجلس الجماعي لتطوان أن نبه، في عدد من مداخلاته خلال دورات المجلس، إلى غياب رؤية اقتصادية منتجة للمدينة، وإلى ضرورة عدم حصر مستقبل تطوان في السياحة والخدمات والعقار، بل تطوير منطقة صناعية حقيقية وربطها بالتكوين المهني والجامعة وتشجيع الصناعات النظيفة والرقمية والغذائية والثقافية.
وتظهر المشكلة نفسها في طريقة التعامل مع الأنشطة الموسمية والصغرى. فحين يتم إلغاء أو تضييق الرخص الموسمية لاستغلال بعض الأنشطة في الشواطئ، يجب ألا نضع حقوق المواطنين في الاستفادة المجانية والآمنة من الشاطئ في مواجهة حق الشباب في الشغل، يمكن التوفيق بين الحقين عبر دفتر تحملات واضح يضمن بقاء أغلب فضاء الشاطئ مفتوحا ومجانيا للعموم، ويخصص مساحات محدودة ومنظمة لأنشطة موسمية يستفيد منها شباب المنطقة وفق معايير شفافة، وبأثمان معقولة، مع منع الاحتلال العشوائي والاحتكار والمضاربة في الرخص.
كما أن إلغاء رخص الأكشاك دون تقديم بديل لا يحل المشكلة، بل قد يدفع الشباب مجددا إلى البطالة أو الاقتصاد غير المنظم. كان الأجدى تحويل هذه الرخص إلى برنامج منظم للمقاولة الصغرى، يقوم على الإعلان الشفاف والمنافسة وتكافؤ الفرص، مع إعطاء الأولوية للعاطلين وللنساء ولذوي الاحتياجات الخاصة ولحاملي المشاريع من أبناء و بنات المنطقة.
ويجب ألا يقتصر الأمر على تسليم الرخصة، بل ينبغي تكوين الشباب والشابات في إعداد المشاريع والتدبير والمحاسبة والتسويق، ومواكبتهم للحصول على التمويل والتراخيص، وتتبع مشاريعهم حتى تستمر. فالرخصة وحدها قد تتحول إلى شكل جديد من الريع، أما التكوين والمواكبة والشفافية فيحولانها إلى وسيلة للتمكين الاقتصادي.
أما بخصوص ما قدمه حزبنا، باعتبارنا حزبا معارضا محدود التمثيل، لا يمكن تقديمه بوصفه حصيلة حكومية، بل هو مجموعة من المواقف والترافعات والمبادرات الميدانية والبرلمانية، إلى جانب مشروع سياسي بديل.
لقد كان الحزب الاشتراكي الموحد من أوضح التنظيمات السياسية في دعم المطالب الاجتماعية المشروعة لحراك الريف.
دافعنا عن كافة المعتقلين السياسيين وطالبنا بإطلاق سراحهم عبر مقترح قانون العفو العام، واعتبرت البرلمانية نبيلة منيب الأحكام القاسية الصادرة في حقهم ردة سياسية تضر باستقرار البلاد وتغذي الإحساس بالحكرة. كما دعت إلى فتح تحقيق دقيق في المشاريع المبرمجة لفائدة المنطقة، ومحاسبة المسؤولين عن تعطيلها، وربط معالجة الاحتقان بمصالحة تاريخية حقيقية مع الريف والمناطق التي عانت التهميش.
ولم يقتصر الترافع على المواقف العامة، إذ جرى نقل عدد من مطالب الحراك إلى البرلمان، بما فيها بناء جامعة متكاملة التخصصات، وتوسيع المؤسسات التعليمية، وربط الحسيمة بشبكات النقل والطرق والسكك الحديدية، وتحسين الربط الجوي. وهي مطالب تعكس تصورا يرى أن معالجة الاحتقان لا تكون بالحل الأمني، بل بتنمية ترابية عادلة وخدمات عمومية تحفظ الكرامة.
كما يواصل تحالف اليسار اليوم المطالبة بإطلاق سراح معتقلي حراك الريف وشباب “جيل زد” وكافة المعتقلين السياسيين، وتحقيق انفراج سياسي، وربط المصالحة مع المناطق المهمشة بالعدالة الاجتماعية والمجالية وبالإصلاح الديمقراطي.
لكن يجب الاعتراف بأن التنبيه والتضامن وصياغة البرامج لا تكفي وحدها. فما يهم الشاب في نهاية المطاف ليس عدد البيانات أو الأسئلة البرلمانية، بل ما إذا كان قد وجد فرصة عمل، أو تكوينا جيدا، أو مستشفى يحفظ كرامته، أو فضاء للمشاركة. وأثرنا المؤسساتي والميداني ما زال دون حجم الانتظارات، كما أن محدودية تمثيليتنا لا تعفينا من مسؤولية تطوير أدواتنا والاقتراب أكثر من الشباب.
ولهذا ينبغي أن يتحول مشروعنا في مناطق الشمال إلى التزامات واضحة: إحداث مرصد جهوي دائم للتشغيل والهجرة، وخلق صندوق جهوي لدعم مبادرات الشباب والمقاولات الصغيرة، وربط الجامعة والتكوين المهني بالنسيج الاقتصادي، وتطوير أقطاب صناعية وتكنولوجية، ودعم التعاونيات المرتبطة بالصيد البحري والمنتجات المحلية والسياحة المستدامة.
كما يجب تخصيص ميزانيات تشاركية للشباب داخل الجماعات الترابية، وتأهيل دور الشباب والمراكز الثقافية والرياضية، وضمان نقل عمومي يربط القرى والضواحي بمراكز الدراسة والعمل، مع إخضاع المشاريع الكبرى للمراقبة والتقييم والمحاسبة حتى لا تتحول إلى عناوين بلا أثر اجتماعي.
دورنا ليس أن نقول للشباب: “لا تهاجروا”، ثم نتركهم وحدهم في مواجهة البطالة واليأس. دورنا هو أن نناضل معهم من أجل وطن يصبح فيه البقاء خيارا ممكنا وكريما، لا عقوبة يومية.
هل تعتقدون أن الخطاب السياسي الحالي ما زال قادرا على إقناع الشباب، أم أنه فقد تأثيره؟
الخطاب الذي فقد تأثيره ليس السياسة في حد ذاتها، بل خطاب الوعود الكبرى والإنجازات الاستعراضية الذي لا ينجح في إغلاق الفجوة بين ما يقال وما يعيشه المواطن.
لا أعتقد أن الشباب عزف عن السياسة فاحتجاجات “جيل زد 212” أثبتت أن الشباب يتابع الشأن العام، ويهتم بالصحة والتعليم والفساد والعدالة الاجتماعية، ويملك قدرة كبيرة على التنظيم والتعبئة. لكنه فقد الثقة في القنوات التقليدية التي لا تنصت إليه إلا عندما تحتاج إلى صوته الانتخابي. لقد ابتعد عن المؤسسات، لكنه لم يبتعد عن قضايا المجتمع.
الشاب لا يقتنع اليوم بلغة الأرقام الإجمالية عن النمو والاستثمار، إذا لم ير أثرها في حياته اليومية. فهو يسأل ببساطة: ما نصيبي من هذه التنمية؟ هل وفرت لي عملا؟ هل حسنت مدرستي ومستشفاي؟ هل منحتني فرصة عادلة، أم أن النجاح ما زال مرتبطا بالقرابة والنفوذ والقدرة على الوصول إلى مراكز القرار؟.
لذلك فإن الخطاب السياسي لن يستعيد تأثيره بحملة تواصلية أو بتغيير الشعارات، وإنما بتغيير الممارسة. نحتاج إلى خطاب صادق يعترف بالأخطاء، ومتواضع في وعوده، وواضح في التزاماته، وقابل للقياس والمحاسبة.
كما لا يمكن استعادة ثقة الشباب دون محاربة فعلية للفساد والريع وتضارب المصالح، ودون ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان استقلال المؤسسات المنتخبة، وتوفير شروط مشاركة سياسية حقيقية، وإطلاق سراح معتقلي الحركات الاجتماعية والرأي، وفتح أفق ديمقراطي يعيد إلى العمل السياسي معناه ونبله.
نحن أيضا، كحزب اشتراكي موحد داخل تحالف اليسار، مطالبون بألا نكتفي بصحة التشخيص أو بنقاء المواقف. فالشباب لن يمنح ثقته لحزب فقط لأنه كان على حق في نقد الحكومة، بل لأنه يراه حاضرا إلى جانبه، ويجد داخله مكانا لصوته ومبادراته وقيادته.
الرهان الحقيقي اليوم ليس على من يتحدث بصورة أفضل، بل على من يستطيع أن يضيق، ثم يغلق، الفجوة بين القول والفعل. فالخطاب الذي يعد ولا ينجز فقد صلاحيته، أما السياسة التي تنصت، وتعترف، وتلتزم، وتحاسب، فما زال بإمكانها أن تستعيد ثقة الشباب.
إن ما وقع في سبتة ومليلية المحتلتين ينبغي أن يكون جرس إنذار وطنيا. هؤلاء الشباب لا يحتاجون إلى من يدينهم أو يلقي عليهم دروسا في الوطنية، بل إلى دولة تصون كرامتهم، ومؤسسات تسمع صوتهم، واقتصاد يمنحهم فرصة حقيقية، وأحزاب تفتح أمامهم أبواب المشاركة والقرار. فالوطنية لا تعني أن نطالب الشباب بالصبر إلى ما لا نهاية، وإنما أن نبني وطنا يجعلهم يشعرون بأن لهم فيه مكانا وحقا ومستقبلا.





