لكحل لـ”إعلام تيفي”: ما وقع في سبتة ومليلية عنوان لفشل إدماج الشباب اقتصاديا

أميمة حدري

أكد طارق لكحل، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن الأحداث التي عرفتها سبتة ومليلية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد أزمة هجرة غير نظامية، بل باعتبارها مؤشرا على اختلالات اقتصادية واجتماعية متراكمة دفعت عددا من الشباب إلى البحث عن بدائل خارج البلاد، مشددا على أن الهجرة تمثل النتيجة الظاهرة، بينما تكمن الأسباب الحقيقية في تراكم عوامل اقتصادية واجتماعية ومجالية.

وأوضح لكحل، في تصريح “إعلام تيفي“، أن تراجع فرص الشغل واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، إلى جانب تآكل القدرة الشرائية لعدد من الأسر وارتفاع تكاليف المعيشة، عوامل ساهمت في تنامي شعور الشباب بانسداد آفاق الارتقاء الاجتماعي، وهو ما يجعل الهجرة بالنسبة إلى كثيرين خيارا لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وتحسين ظروف العيش.

وأشار إلى أن معدل البطالة بلغ 13 في المائة خلال سنة 2025، غير أن هذه النسبة تخفي تفاوتات كبيرة بين الفئات، إذ ترتفع إلى أكثر من 37 في المائة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، فيما تبلغ نحو 19 في المائة في صفوف حاملي الشهادات، معتبرا أن هذه المؤشرات تؤكد أن النمو الاقتصادي الذي حققه المغرب خلال السنوات الأخيرة لم ينعكس بالقدر الكافي على خلق فرص شغل مستقرة لفائدة الشباب والنساء.

وأضاف أن المغرب نجح في إنجاز مشاريع بنيوية كبرى واستقطاب استثمارات مهمة، كما سجل الاقتصاد الوطني معدلات نمو تناهز خمسة في المائة، إلا أن هذه الدينامية لم تشمل جميع المجالات الترابية بالشكل نفسه، مستشهدا بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة التي تعد من أهم الأقطاب الاقتصادية وتساهم بأكثر من عشرة في المائة من الناتج الداخلي، لكنها لا تمكن مختلف مناطقها وسكانها من الاستفادة بشكل متوازن من النشاط الصناعي والاستثماري، وهو ما يبرز استمرار التفاوتات المجالية رغم التحولات الاقتصادية التي تعرفها المملكة.

وفي معرض تفسيره للدوافع التي تدفع الشباب إلى التفكير في الهجرة، اعتبر الأستاذ الجامعي أن البطالة تظل العامل الأكثر تأثيرا، ليس فقط بسبب محدودية فرص العمل، وإنما أيضا نتيجة طول فترة البحث عن وظيفة وتراجع الثقة في إمكانية الحصول على منصب يتناسب مع المؤهلات العلمية والمهنية.

وسجل أن شريحة واسعة من الشباب تشتغل في وظائف مؤقتة أو داخل القطاع غير المهيكل، بأجور ضعيفة ومن دون حماية اجتماعية أو مسارات مهنية واضحة، ما يجعل الاستقرار الاقتصادي أمرا بعيد المنال، حتى بالنسبة لمن يتوفرون على عمل.

وأضاف أن سوق الشغل يواجه تحديا هيكليا يتمثل في عدم قدرته على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين الجدد، موضحا أن أكثر من 400 ألف شاب وشابة يلجون سوق العمل سنويا، بينما لا يتجاوز عدد مناصب الشغل التي يوفرها الاقتصاد الوطني حوالي 177 ألف منصب، وهو ما يوسع الفجوة بين العرض والطلب ويزيد من حدة البطالة.

ودعا لكحل إلى توجيه السياسات العمومية نحو تعزيز إدماج الشباب اقتصاديا، معتبرا أن الأمر لا يقتصر على مواءمة التكوين مع متطلبات سوق الشغل، بل يستوجب أيضا انخراط المقاولات في تأهيل الشباب وتوفير مسارات مهنية تضمن لهم الاستقرار وفرص التطور.

كما ربط تنامي الرغبة في الهجرة بارتفاع كلفة المعيشة، خاصة منذ جائحة كوفيد-19، موضحا أن الزيادات التي طالت أسعار السكن والنقل والمواد الأساسية، خصوصا في المدن الكبرى، جعلت الدخول المحدودة عاجزة عن تمكين الشباب من بناء مشاريع حياتية مستقرة.

ولفت إلى أن الفوارق المجالية لا تزال تعمق الإحساس بعدم تكافؤ الفرص، إذ يظل الشباب في القرى والمدن الصغرى أقل استفادة من الخدمات وفرص الاستثمار والتكوين مقارنة بالأقطاب الاقتصادية الكبرى، وفي مقدمتها جهات طنجة-تطوان-الحسيمة والرباط-سلا-القنيطرة والدار البيضاء-سطات.

وختم لكحل بالإشارة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تؤثر بشكل متزايد في قرارات الهجرة، من خلال تقديمها صورة مثالية عن الحياة في الخارج، مع إغفال التحديات المرتبطة بالاندماج والبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة في بلدان الاستقبال، وهو ما يجعل الكثير من الشباب يتخذون قرار الهجرة استنادا إلى تصورات غير مكتملة أو توقعات مبالغ فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى