لكحل لـ”إعلام تيفي”: البطالة والإقصاء الاجتماعي قد يعيدان سيناريو الهجرة غير النظامية

أميمة حدري 

حذر طارق لكحل، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال بجامعة محمد الخامس بالرباط، من أن احتمال تكرار أحداث مرتبطة بالهجرة غير النظامية يظل قائما ما دامت الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تغذيها لم تجد طريقها إلى المعالجة، مؤكدا أن تكرار هذه الوقائع ليس قدرا محتوما، وإنما يمكن الحد منه عبر سياسات عمومية مندمجة تستهدف جذور الإشكال.

وأوضح لكحل، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن تكرار مثل هذه الأحداث يرتبط، بشكل أساسي، باستمرار الاختلالات الاقتصادية، وانتشار الإشاعات والدعوات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، إلى جانب ظهور ظروف يعتقد معها الشباب أن فرص العبور أصبحت متاحة أو ممكنة، مشددا في المقابل على أن معالجة هذه العوامل من شأنها تقليص احتمالات تكرار السيناريو ذاته.

وفي هذا السياق، دعا الأستاذ الجامعي إلى اعتماد سياسات اقتصادية واجتماعية ومجالية مندمجة، من شأنها تعزيز ارتباط الشباب بمناطقهم وتوفير شروط تمكنهم من بناء مستقبلهم محليا، معتبرا أن الأولوية تقتضي إطلاق برامج تنموية مندمجة على المستويات المحلية والجهوية والوطنية، على أن تكون أكثر استهدافا لفئتي الشباب والنساء، وأن تستجيب للحاجيات الخاصة بكل إقليم، بدل الاكتفاء ببرامج وطنية عامة.

وشدد لكحل على أهمية دعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، بالنظر إلى قدرتها على خلق فرص شغل محلية وسريعة، إلى جانب تطوير منظومة التكوين المهني وربطها بشكل أكبر بحاجيات سوق الشغل.

وأوضح أن المقاولات مطالبة بالانخراط في عملية التكوين من خلال توفير فضاءات للتدريب والتكوين بالتناوب، بما يسمح بتأهيل الشباب في مدد زمنية قصيرة للاستجابة لحاجيات القطاعات التي تشهد استثمارات متزايدة في المغرب، من قبيل الصناعات، وصناعة السيارات والطائرات، والخدمات اللوجيستيكية، والاقتصاد الرقمي، والسياحة المستدامة.

وفي مقابل ذلك، نبه المتحدث إلى ضرورة التركيز على توفير فرص شغل دائمة ومستقرة، خصوصا في القطاعات التي توفر حاليا فرصا موسمية، على غرار السياحة والفلاحة.

واعتبر أن التحدي لا يتمثل فقط في خلق فرص عمل، وإنما أيضا في بلورة سياسات تجعل هذه الفرص أكثر استقرارا واستدامة، مستشهدا بضرورة تطوير فلاحة عصرية ومستدامة قادرة على توفير مناصب شغل مستقرة.

كما دعا إلى ربط الاستثمارات الكبرى بالمقاولات المحلية، ووضع أهداف واضحة بشأن مساهمتها في خلق فرص العمل وتوظيف الشباب وتوجيه جزء من آثارها الاقتصادية نحو المناطق التي تحتضن هذه الاستثمارات، بما يضمن استفادة أكبر للمجالات المحلية من الدينامية الاستثمارية.

وفي جانب آخر، توقف لكحل عند وضعية الشباب الموجودين خارج منظومات التعليم والتكوين والتشغيل، معتبرا أن إدماج هذه الفئة يتطلب آليات وبرامج خاصة، لأن استمرار بقائها خارج المؤسسات لفترات طويلة لا يرفع فقط مخاطر الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي، وإنما يمكن أن يغذي أيضا دوافع الهجرة غير النظامية.

وأكد المتحدث كذلك أن تحسين الخدمات العمومية وجودتها، ولا سيما في المناطق الهامشية، يشكل جزءا أساسيا من معالجة الظاهرة، موضحا أن التشغيل لا يمكن فصله عن شروط العيش الكريم، وأن معالجة الفوارق الاجتماعية والمجالية تظل مدخلا ضروريا لاستعادة الثقة في المستقبل وفي المؤسسات والسياسات العمومية.

وبالتوازي مع المعالجة الداخلية، دعا لكحل إلى فتح مسارات قانونية ومنظمة للتنقل والعمل الموسمي والتكوين في الخارج، خصوصا في إطار شراكات مع الدول الأوروبية، معتبرا أن غياب البدائل القانونية والمنظمة للتنقل والعمل يمكن أن يدفع جزءا من الشباب نحو المسارات غير النظامية.

وأشار الأستاذ الجامعي إلى التحولات الديمغرافية التي تعرفها مجموعة من الدول الأوروبية وما يترتب عنها من حاجيات متزايدة إلى اليد العاملة في عدد من القطاعات، داعيا إلى استثمار هذه المعطيات من خلال إبرام شراكات تتيح للشباب فرصا منظمة للعمل والتكوين والتنقل، بما يفتح أمامهم بدائل قانونية وآمنة عن الهجرة غير النظامية.

وخلص لكحل إلى أن المدخل الأساسي لمعالجة الظاهرة يتمثل في الاستجابة للصدمات الاجتماعية والاقتصادية عبر خلق فرص الشغل وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، بما يسمح للشباب ببناء الثقة في المستقبل، ويعزز الثقة في المؤسسات ونجاعة السياسات العمومية، ويضمن في نهاية المطاف شروطا أفضل لتحقيق كرامة المواطنات والمواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى