الرباط.. ارتفاع أسعار الكراء يضيق خيارات الموظفين والطلبة في البحث عن السكن

أميمة حدري 

في الرباط، لم يعد البحث عن غرفة أو شقة مجرد خطوة عادية للاستقرار بالنسبة إلى الموظفين والطلبة، بل تحول بالنسبة إلى كثيرين إلى رحلة مرهقة تصطدم بغلاء الأسعار ورداءة بعض العروض وتنامي كلفة الوسطاء، في وقت بات فيه العثور على سكن يجمع بين السعر المقبول والظروف اللائقة أمرا بالغ الصعوبة.

وتبدأ معاناة عدد من الباحثين عن السكن من الغرف، التي تنطلق أسعارها في بعض الحالات من نحو 1500 درهم شهريا، قبل أن ترتفع بحسب الموقع والتجهيزات والمساحة. غير أن الإشكال لا يتوقف عند قيمة الكراء، إذ يجد الباحث نفسه أحياناً أمام غرفة لا تتناسب مواصفاتها مع السعر المطلوب، سواء من حيث النظافة أو الحالة العامة أو موقعها.

غرف قديمة ومتدهورة، تحتاج إلى الصيانة والتنظيف، وأخرى توجد في أحياء لا توفر، بحسب انطباعات الباحثين عن السكن، الظروف التي تجعلها خيارا مناسبا للإقامة، وهو ما يحول مبلغ الكراء المرتفع إلى عبء أكبر عندما لا يقابله مستوى مقبول من جودة السكن.

أما الشقق، فتبدو المعادلة أكثر تعقيدا، خصوصا بالنسبة إلى الموظفين الذين يبحثون عن الاستقرار داخل العاصمة أو بالقرب من مقرات عملهم، والطلبة الذين يحاولون تدبير مصاريف السكن إلى جانب تكاليف الدراسة والنقل والمعيشة.

أسعار مرتفعة تطلب مقابل شقق صغيرة وضيقة، فيما تكون بعض العروض، وفق ما يواجهه الباحثون خلال عمليات المعاينة، في حاجة إلى التنظيف والصيانة والتجهيز قبل أن تصبح صالحة للسكن بالمعايير التي ينتظرها المستأجر.

وبين غرفة مرتفعة الثمن وشقة لا تتناسب مساحتها وحالتها مع السعر المطلوب، يجد الموظف والطالب نفسيهما أمام خيارات محدودة: دفع مبلغ يفوق قدرتهما، أو البحث بعيدا عن وسط الرباط، أو اللجوء إلى السكن المشترك، أو مواصلة رحلة البحث أملا في العثور على عرض أقل كلفة وأكثر ملاءمة.

لكن أزمة الكراء لا تتوقف عند الأسعار والعروض السكنية، إذ يبرز الوسطاء كطرف آخر في هذه المعادلة، وسط انتقادات متزايدة لطريقة تعامل بعضهم مع الباحثين عن السكن.

ويجد الراغب في استئجار غرفة أو شقة نفسه في بعض الحالات مطالبا بأداء ما يسمى بـ”سومة الزيارة” مقابل معاينة العقار، وهي مبالغ تبدأ، بحسب ما يرويه باحثون عن السكن، من نحو 30 درهما وقد ترتفع بحسب الوسيط والعرض.

وتتحول عملية البحث في بعض الحالات إلى سلسلة من الزيارات المؤدى عنها، بحيث يدفع الباحث مبالغ متكررة لمعاينة غرف أو شقق لا تنتهي بالضرورة إلى عقد كراء.

وهنا لا تعود الكلفة مرتبطة بالكراء وحده، بل تمتد إلى مرحلة البحث نفسها، خصوصا عندما يضطر الشخص إلى معاينة عدة عروض قبل العثور على سكن مناسب.

ويزداد الضغط عندما يعمد بعض الوسطاء إلى تقديم خدمات البحث عن السكن مقابل مبالغ مرتفعة، قد تصل في بعض الحالات إلى مستويات يعتبرها الباحثون غير متناسبة مع قيمة الغرفة أو الشقة التي يسعون إلى استئجارها.

وبذلك يجد الباحث نفسه أمام كلفة مركبة تشمل واجب الكراء، ومصاريف الانتقال والمعاينة، ثم المبلغ المطلوب مقابل خدمة الوساطة، وهو ما يجعل الوصول إلى السكن أكثر صعوبة بالنسبة إلى أصحاب المداخيل المحدودة.

وتكشف هذه الوضعية عن مفارقة واضحة في سوق الكراء بالعاصمة، فارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة تحسن جودة العروض، كما أن دفع مبالغ إضافية للوسطاء لا يضمن دائما الوصول إلى سكن مناسب. وبين العرض والطلب، يتحمل الباحث عن الكراء الجزء الأكبر من كلفة هذه المعادلة، خصوصا عندما يكون مضطرا للسكن في الرباط بحكم العمل أو الدراسة.

وبالنسبة إلى الموظفين، يتحول الكراء المرتفع إلى اقتطاع ثابت من الدخل الشهري، بينما يجد الطلبة أنفسهم أمام ضغط أكبر بسبب محدودية الموارد وارتفاع باقي تكاليف الحياة اليومية.

وفي ظل استمرار الطلب على السكن داخل الرباط، تبرز الحاجة إلى مزيد من الوضوح في سوق الكراء، سواء من خلال ضبط ممارسات الوساطة، أو تعزيز شفافية الإعلانات والعروض، أو توفير معطيات واضحة حول الكلفة الحقيقية للخدمات المرتبطة بالبحث عن السكن. فالمشكلة، بالنسبة إلى كثير من الباحثين، لم تعد في ارتفاع ثمن الكراء وحده، وإنما في منظومة كاملة تجعل الوصول إلى سكن لائق ومقبول السعر رحلة مكلفة وشاقة تبدأ قبل توقيع عقد الكراء وتنتهي بعده بكثير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى