أميمة حدري
يتجه المغرب نحو مزيد من الاحترار خلال العقود المقبلة، في ظل استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميا وتزايد تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، وسط معطيات مناخية ترسم مسارا مقلقا بالنسبة إلى المملكة، التي سجلت خلال السنوات الأخيرة مستويات حرارة متزايدة تفوق في بعض الحالات المعدلات المسجلة تاريخيا.
وتشير بيانات مؤسسة “بيركلي إيرث” إلى أن المغرب شهد سنة 2022 ارتفاعا في متوسط درجات الحرارة، وكانت السنة نفسها الأكثر حرارة على الإطلاق في السجل المناخي للمملكة وفق تقديرات المؤسسة، في وقت بلغ فيه متوسط الاحترار العالمي نحو 1.3 درجة مئوية مقارنة بفترة ما قبل الثورة الصناعية.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، بالنظر إلى موقعه الجغرافي وتأثره المباشر بالتغيرات المناخية التي أصبحت تنعكس على عدد من المجالات، من الموارد المائية والزراعة إلى النظم البيئية والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.
وتؤكد “بيركلي إيرث” أن ارتفاع حرارة اليابسة يحدث بوتيرة أسرع من متوسط ارتفاع حرارة سطح المحيطات، وهو ما يجعل آثار الاحترار تظهر بصورة أسرع على المناطق البرية.
ولا يرتبط هذا المسار بالمغرب وحده، إذ تؤكد بيانات المؤسسة أن السنوات الأخيرة شهدت تسارعا واضحا في الاحترار العالمي، بعدما أصبحت السنوات الثماني الأخيرة ضمن أكثر السنوات حرارة منذ بدء السجلات الآلية، فيما سجل عام 2022 نفسه درجات حرارة مرتفعة بشكل استثنائي على نطاق واسع من العالم.
وتربط المؤسسة استمرار الاحترار أساسا بتراكم غازات الدفيئة الناتجة عن الأنشطة البشرية، وعلى رأسها ثاني أكسيد الكربون، مشيرة إلى أن مسار درجات الحرارة خلال العقود المقبلة سيظل مرتبطا بدرجة كبيرة بالمسار الذي ستتخذه الانبعاثات العالمية وبمدى سرعة خفضها.
وفي هذا السياق، تعرض “بيركلي إيرث” عدة سيناريوهات مستقبلية للاتجاهات المناخية، تختلف باختلاف مستوى خفض الانبعاثات.
وتوضح المؤسسة أن السيناريوهات التي تفترض تخفيضات قوية وسريعة في الانبعاثات تقود إلى احترار عالمي أقل بكثير من السيناريوهات التي تستمر فيها الانبعاثات عند مستويات مرتفعة، ما يجعل التحرك المبكر عاملا حاسما في الحد من تداعيات تغير المناخ.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن ارتفاع درجات الحرارة لا يمثل مجرد تغير في المؤشرات المناخية، بل يطرح تحديات متزايدة أمام قطاعات ترتبط بشكل وثيق بالظروف الطبيعية، وفي مقدمتها الفلاحة والموارد المائية. فكل ارتفاع إضافي في درجات الحرارة يمكن أن يزيد الضغط على الموارد المائية، خصوصا في ظل توالي فترات الجفاف وتراجع التساقطات في عدد من المناطق.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه المغرب أصلا ضغوطا متزايدة على موارده المائية، ما يجعل التغير المناخي عاملا إضافيا في معادلة تدبير الماء وتأمين الاحتياجات المستقبلية للسكان والقطاعات الاقتصادية.
كما تضع هذه التحولات النظم البيئية والمجالات الواحية والمناطق الهشة أمام تحديات متزايدة، خصوصا تلك التي تعتمد على توازنات دقيقة بين المياه ودرجات الحرارة والغطاء النباتي. ويعد التصحر وتراجع الموارد المائية من بين أبرز المخاطر التي يمكن أن تتفاقم مع استمرار الاحترار وتواتر فترات الجفاف.
وعلى المستوى العالمي، تؤكد “بيركلي إيرث” أن الحد من ارتفاع درجات الحرارة يتطلب خفضا كبيرا وسريعا في انبعاثات غازات الدفيئة، معتبرة أن السيناريوهات المستقبلية تختلف بشكل جوهري بحسب مستوى الطموح في مجال إزالة الكربون والتحول نحو مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات.
كما تشير بيانات المؤسسة إلى أن المتوسط العالمي الحالي للسياسات المناخية يقود إلى احترار أعلى من المستويات التي تتطلبها الأهداف المناخية الأكثر طموحا.
وفي المقابل، ترى المؤسسة أن التحول العالمي نحو مصادر الطاقة منخفضة الكربون يمثل تطورا إيجابيا، غير أن وتيرة هذا التحول تظل عاملا حاسما في تحديد حجم الاحترار الذي سيشهده العالم خلال العقود المقبلة.
وبالنسبة إلى المغرب، تضع هذه المعطيات مسألة التكيف مع تغير المناخ في صدارة التحديات المستقبلية، خصوصا أن آثار ارتفاع الحرارة لا تتوزع بالضرورة بالشكل نفسه بين مختلف المناطق والقطاعات. فالمناطق القاحلة وشبه القاحلة، والواحات، والأنشطة الفلاحية الأكثر اعتمادا على المياه، تظل أكثر عرضة لتداعيات الجفاف والحرارة المرتفعة.





