الشعبوية الرقمية بالمغرب بين الشخصنة والتضخيم

د.محمد شقير 

تميز المغرب عبر تاريخه السياسي العريق بأن العلاقة المباشرة بين الحاكم والمحكوم ليست ظاهرة مستحدثة، بل لها جذور تاريخية في بناء الدولة. غير أن وسائل التواصل الاجتماعي التي انتشرت في المجتمع المغربي غيرت طبيعة هذا التواصل السياسي . إذ لم يعد مقتصرًا على المؤسسة الملكية أو الدولة، بل أصبح متاحًا أيضًا للأحزاب، والبرلمانيين، والمنتخبين، وحتى المؤثرين.

وهكذا انتقلت السياسة من فضاء الخطب الرسمية والاجتماعات الحزبية إلى فضاء الفيديوهات القصيرة والتفاعل الفوري. مما حول هذا التواصل في الكثير من الأحيان إلى ظاهرة شعبوية تطورت مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي إلى شعبوية رقمية.

1 –انتشار وسائل التواصل الاجتماعي و تضخيم الشعبوية السياسية بالمغرب

لقد ولجت الإذاعة والتلفزة الفضاء الإعلامي بالمغرب قبل وسائل التواصل الاجتماعي التي لم تنتشر بالمملكة إلا في العقود الأخيرة.

-الإذاعة والتلفزة ومحدودية الشعبوية السياسية

تعتبر الاذاعة في المغرب أقل قابلية من التلفزة، وأقل بكثير من وسائل التواصل الاجتماعي، لتضخيم الشعبوية السياسية، وذلك لاعتبارات تتعلق بطبيعة الوسيط الإذاعي والتلفزي نفسه.

أولًا: الإذاعة تعتمد على الكلمة أكثر من الصورة في حين أن الشعبوية المعاصرة تعتمد بدرجة كبيرة على الصورة ولغة الجسد، و الانفعال، وردود الفعل الفورية ، و صناعة “اللقطة” التي تنتشر على المنصات.أما الإذاعة فلا توفر هذه العناصر، ولذلك يصبح تأثير الكلمة والحجة أكبر من تأثير الأداء المسرحي أو الكاريزما البصرية.

ثانيًا: جمهور الإذاعة يبحث غالبًا عن المعلومة. ففي المغرب، يستمع جزء مهم من الجمهور إلى الإذاعة من أجل نشرات الأخبار، و البرامج الحوارية، و حركة السير، و البرامج الدينية، و البرامج الثقافية ، بالإضافة إلى الأغاني بما فيها أغاني الراب وغيرها من الأغاني الشبابية التي تقبل على الاستماع والاستمتاع بها فئات واسعة من الشباب. أي أن طبيعة الاستماع تختلف عن طبيعة تصفح “تيك توك” أو “فيسبوك”، حيث يبحث المستخدم غالبًا عن محتوى سريع ومثير.
ثالثا: غياب منطق “الفيديو الفيروسي” حيث لا تستطيع المقابلة الإذاعية أن تتحول بسهولة إلى مادة تنتشر بالملايين كما يحدث مع الفيديوهات القصيرة. ولهذا فإن الإذاعة لا تخضع بنفس الدرجة لمنطق الإثارة، والعناوين الصادمة ، والجمل المقتطعة، و المنافسة على عدد المشاهدات.

رابعا: الضوابط المهنية ، فالإذاعات الوطنية سواء العمومية أوالخاصة، تخضع لقواعد مهنية وتنظيمية تحد من الخطابات التحريضية أو الشعبوية المفرطة، وإن كان ذلك لا يمنع وجود اختلافات في الأساليب التحريرية بين محطة وأخرى.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن الإذاعة لا يمكن أن تنشر خطابا شعبويا. فإذا استضافت إذاعة ما شخصية سياسية تستخدم التبسيط المفرط، و مهاجمة الخصوم دون نقاش للسياسات، و الوعود غير الواقعية ، والخطاب العاطفي المكثف، فإن هذه الإذاعة قد تصبح وسيلة لنقل هذا الخطاب الشعبوي، لكنها لا يمكن أن تضخمه بنفس القوة التي تفعلها وسائل التواصل الاجتماعي.

كما يمكن القول أن القنوات التلفزية خاصة العمومية لم تكن تاريخيا الفضاء الرئيسي لانتشار الشعبوية السياسية، مقارنة بوسائل التواصل الاجتماعي. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، منها:

*الطابع المؤسساتي للخطاب التلفزي.

*الضوابط التنظيمية والمهنية.

*محدودية البرامج السياسية ذات الطابع الصدامي مقارنة ببعض القنوات الأجنبية.

فالتلفزيون، خاصة العمومي، يخضع لقواعد مهنية وقانونية وتنظيمية، مما يقلل من الخطابات الانفعالية ، و الإهانات والمواجهات الحادة. وكذا نشر الأخبار غير المتحقق منها. كما أنه في البرامج التلفزيونية تكون المداخلات أطول نسبيًا، وهو ما يتيح: شرح السياسات العمومية، و مناقشة الأرقام. استضافة خبراء متعددين. بينما تقوم الفيديوهات القصيرة على الاختزال والإثارة. كما أن التلفزة لا تكافئ المحتوى لأنه أثار غضبًا أو جدلًا، في حين أن منصات التواصل تكافئ المحتوى الذي يحقق أكبر قدر من التفاعل، حتى لو كان قائمًا على الاستقطاب. وفي كثير من البرامج التلفزيونية يوجد مقدم للنقاش وضيوف بآراء مختلفة، وهو ما يحد من احتكار متحدث واحد للنقاش.لكن التلفزة ليست محصنة ضد الشعبوية. إذ يمكن أن تساهم التلفزة أيضًا في نشر الخطاب الشعبوي إذا: ركزت على الشخصيات أكثر من البرامجن و أعطت مساحة واسعة للتصريحات المثيرة لأنها تجذب المشاهدين، و حولت السياسة إلى مواجهة إعلامية أكثر منها نقاشًا حول السياسات العمومية.

لكن مع ذلك ، تبدو التلفزة أقل مساهمة من وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم الشعبوية السياسية، لأن طبيعتها المهنية والتنظيمية تشجع نسبيًا على الخطاب المؤسساتي والتحليل المطول، بينما تقوم المنصات الرقمية على منطق السرعة، والخوارزميات، والإثارة. لكن في المقابل، أصبحت منصات مثل فيسبوك ويوتيوب وتيك توك هي المجال الأكثر تأثيرًا في نشر المقاطع القصيرة، والخطب، والتصريحات المثيرة، وإعادة تدويرها آلاف المرات، وهو ما يزيد من انتشار الخطاب الشعبوي بالمغرب.

-مساهمة وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم الشعبوية السياسية
تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا متزايدًا في تشجيع الشعبوية السياسية في المغرب، شأنها في ذلك شأن العديد من الديمقراطيات والأنظمة الهجينة في العالم العربي وغيرها من مناطق دول العالم الثالث. غير أن خصوصية الحالة المغربية تكمن في أن الشعبوية الرقمية لا ترتبط فقط بالأحزاب السياسية، بل تشمل أيضًا المؤثرين، وصناع المحتوى، وبعض الصفحات الإخبارية، وأحيانًا مسؤولين ومؤسسات رسمية تستثمر في منطق التواصل المباشر مع الجمهور. و يمكن تفسير هذا الدور من خلال عدة آليات:

*تبسيط القضايا المعقدة حيث تميل منصات مثل فيسبوك وتيك توك وإكس إلى مكافأة المحتوى القصير والمثير، وهو ما يدفع الفاعلين السياسيين إلى اختزال قضايا معقدة مثل الإصلاحات الاقتصادية أو السياسات العمومية في شعارات سهلة التداول من قبيل: “الحكومة ضد الشعب.” و”النخب سرقت ثروات البلاد.” و”كل الأحزاب متشابهة وفاسدة.” وهذا التبسيط يعزز التفكير الثنائي (الشعب مقابل النخبة) وهو أحد أهم خصائص الخطاب الشعبوي.

*تغليب العاطفة على الحجة حيث تعتمد الخوارزميات على المحتوى الأكثر إثارة للتفاعل، لذلك تنتشر بسرعة مقاطع الغضب، و السخرية، و الاتهامات ، والقصص المؤثرة. بينما يقل انتشار التحليلات الطويلة أو النقاشات القائمة على الأرقام والمعطيات.

*إضعاف الوساطة الحزبية والإعلامية حيث في السابق كان المواطن يتلقى المعلومة عبر الأحزاب أو الصحافة التقليدية، أما اليوم فأصبح السياسي أو المؤثر يخاطب الجمهور مباشرة، مما أدى إلى تراجع وظيفة الوساطة التي تؤديها الأحزاب والنقابات والإعلام المهني.

*تعزيز الشخصنة حيث أصبحت المنافسة تدور حول الأشخاص أكثر من البرامج: من هو الأكثر جرأة؟ من يحقق أعلى نسب مشاهدة؟ من يستطيع إطلاق “ترند” جديد؟ وهو ما حول السياسة تدريجيا إلى منافسة إعلامية أكثر منها تنافسا بين مشاريع مجتمعية.

*انتشار الأخبار الزائفة والإشاعات فسرعة تداول المعلومات تجعل من السهل نشر روايات غير دقيقة قبل التحقق منها، وهو ما قد يؤثر في الرأي العام والاختيارات السياسية.

وهكذا اتخذت الشعبوية ، أو شعبوية السلطة أو الأحزاب الحكومية بعدا تضخميا عبر إبراز الإنجازات بصورة مكثفة وتقديمها باعتبارها الحل الوحيد الممكن. وكذا شعبوية المؤثرين الذين لا ينتمون بالضرورة إلى أحزاب، لكنهم يؤثرون في المزاج السياسي للجمهور. وهذا يعني أن الشعبوية لم تعد حكرًا على المعارضة، بل أصبحت أسلوبا تواصليا يمكن أن يستخدمه مختلف هؤلاء الفاعلين.

و في هذا السياق ، يبدو أنه مع اقتراب الانتخابات التشريعية التي ستجرى في 23 شتنبر 2026 ، يزداد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي لعدة أسباب:

*ارتفاع الإنفاق على الحملات الرقمية.

*اعتماد الفيديوهات القصيرة بدل التجمعات التقليدية.

*استخدام استطلاعات الرأي غير العلمية لخلق انطباع بوجود “مرشح قوي”.
*توظيف الهاشتاغات لتوجيه النقاش العام.

*استثمار الخوارزميات للوصول إلى فئات الشباب التي أصبحت أقل ارتباطًا بالأحزاب التقليدية.

ومن ثم قد تتحول المنصات الرقمية إلى ساحة رئيسية للصراع الانتخابي، بما قد يعزز الخطاب الشعبوي إذا غلبت الرسائل الانفعالية على النقاش البرامجي.

2 -مساهمة الفيديوهات والخرجات الاعلامية في تضخيم الشعبوية السياسية بالمغرب

ساهمت الفيديوهات والخرجات الإعلامية ساهمت في تضخيم الشعبوية السياسية في المغرب، حيث ضخمت انتشارها وسرعت تأثيرها. فالشعبوية كانت موجودة بأشكال مختلفة، غير أن البيئة الإعلامية الجديدة منحتها أدوات أكثر فعالية للوصول إلى الجمهور. حيث يمكن تفسير ذلك من خلال عدة عوامل:
أولا: الفيديو اختزل السياسة في دقائق معدودة حيث أصبح السياسي مطالبًا بإنتاج محتوى سريع ومؤثر، مما شجع على إطلاق العبارات المثيرة، و استعمال اللغة العامية والقريبة من الناس، و تبسيط القضايا الاقتصادية والاجتماعية المعقدة.والتركيز على الرسائل العاطفية بدل الحجج التقنية.فالسياسي الذي يقدم تحليلاً معمقًا قد يحظى بمشاهدة محدودة، بينما ينتشر مقطع قصير يتضمن عبارة حادة أو مواجهة كلامية انتشارًا واسعًا.

ثانيا: الخرجات الإعلامية أصبحت أحداثًا سياسية، حيث كانت الأحزاب في السابق، تعبر عن مواقفها عبر البلاغات.

والمؤتمرات الوطنية و البرامج الانتخابية.أما اليوم، فقد تتحول مقابلة تلفزيونية أو بث مباشر أو مقطع مصور إلى الحدث السياسي الأبرز، وقد يطغى على مضمون السياسات نفسها.

ثالثا: صناعة “اللحظة الفيروسية” حيث أصبحت بعض الخرجات الإعلامية تُصاغ بما يضمن تداولها على المنصات الرقمية، من خلال: الجمل القصيرة، والسخرية، وعنصر المفاجأةن و المواجهة مع الخصوم. و استعمال الأمثال واللغة اليومية. وهذه العناصر تزيد من فرص الانتشار، لكنها قد تقلل من عمق النقاش.

رابعا: الانتقال من السياسة إلى الفرجة حيث أسهمت الفيديوهات في تحويل جانب من العمل السياسي إلى ما يشبه “الفرجة السياسية”، حيث أصبح الاهتمام ينصب على:من انتصر في المناظرة؟ من رد بقوة؟من أحرج خصمه؟بدل التركيز على جودة البرامج أو قابلية الوعود للتنفيذ.

خامسًا: إضعاف الوساطة الإعلامية فقد أصبح بإمكان السياسي مخاطبة الجمهور مباشرة عبر صفحاته، دون المرور عبر الصحافة المهنية التي كانت تمارس قدرًا من التدقيق والتحليل. وهذا يسمح بوصول الرسالة كما يريد صاحبها، لكنه قد يحد من النقاش النقدي حولها.

وقد ساهمت هذه الظاهرة في بروز أنماط متعددة من الخطاب الشعبوي، سواء لدى بعض قادة الأحزاب، أو بعض البرلمانيين، أو بعض المنتخبين المحليين. وكذا بعض المؤثرين الذين يتناولون الشأن العام. إذ أصبحت بعض الشخصيات تحقق حضورًا سياسيًا أساسًا عبر الفيديوهات القصيرة، حتى وإن كان حضورها داخل المؤسسات أو مساهمتها في إعداد السياسات محدودًا. وهكذا يلتقي تأثير الفيديوهات مع عناصر ثقافية واجتماعية، منها: الميل إلى التواصل الشفهي أكثر من قراءة الوثائق والبرامجن و قوة الحكاية والمثل الشعبي في الإقناع، و التأثر بالشخصية الكاريزمية. بالإضافة إلى الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات الفيديو القصير.وهذا يجعل الرسالة المصورة أكثر تأثيرًا من البيان الحزبي أو التقرير التقني.

من هنا ، يمكن القول إن الفيديوهات والخرجات الإعلامية لم تخلق الشعبوية السياسية في المغرب، لكنها أعادت تشكيلها. فقد نقلتها من المنابر الحزبية والخطب التقليدية إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت تعتمد على الصورة، والإيقاع السريع، والتأثير العاطفي، والشخصنة. ونتيجة لذلك، تحولت المنافسة السياسية تدريجيًا من منافسة بين البرامج والأفكار إلى منافسة بين القدرة على جذب الانتباه وصناعة التفاعل، وهو ما يعد أحد أبرز ملامح الشعبوية السياسية في العصر الرقمي.

3-الفيديوهات والخرجات الاعلامية وتضخيم شعبوية بن كيران
يمكن القول إن فيديوهات بن كيران ساهمت في تعزيز حضوره السياسي والشعبي، وساهمت أيضًا في انتشار خطابه على نطاق أوسع داخل المشهد السياسي بالمملكة. فمن أبرز العناصر التي جعلت فيديوهاته واسعة الانتشار:
*اللغة المباشرة حيث يعتمد بن كيران على الدارجة المغربية أكثر من اللغة السياسية التقليدية، ويستخدم أمثلة من الحياة اليومية، ما يجعل رسائله سهلة الفهم والتداول.

* أسلوب الشخصنة حيث غالبًا ما تتمحور الفيديوهات حول شخصه أكثر من الحزب أو البرنامج، فيصبح الحدث هو “ما قاله بن كيران” وليس “ما هو موقف الحزب”.

*الخطاب العاطفي حيث يميل إلى مخاطبة مشاعر الجمهور، عبر الدعابة، والسخرية، والغضب، والاستحضار المتكرر لتجربته السياسية، وهي عناصر تزيد من التفاعل على المنصات الرقمية.

*الجمل القابلة للاقتطاع فكثير من مداخلاته تتضمن عبارات قصيرة يسهل تحويلها إلى مقاطع مستقلة أو “ترند”، وهو ما يتوافق مع منطق منصات التواصل الاجتماعي.

*الاستقطاب إذ غالبًا ما تثير تصريحاته ردود فعل متباينة بين مؤيدين ومعارضين، وهذا يزيد من تداولها، لأن خوارزميات المنصات تعطي أفضلية للمحتوى الذي يولد تفاعلًا مرتفعًا.

وهكذا أسهمت المقاطع القصيرة لخطبه وتصريحاته في تعزيز صورته كسياسي قريب من المواطنين، يعتمد لغة بسيطة، وروح الدعابة، والمواجهة المباشرة مع الخصوم، وهي عناصر تتقاطع مع بعض خصائص الخطاب الشعبوي.

فالفيديوهات والخرجات الإعلامية ساعدته على الاحتفاظ بحضور سياسي حتى بعد إبعاده من رئاسة الحكومة ومن تدبير السلطة التنفيذية، ولم يعد الإبعاد من المنصب يعني الإبعاد من المجال السياسي.فالفيديو القصير واللقاءات المباشرة منحاه إمكانية مخاطبة الجمهور دون المرور عبر الحكومة أو البرلمان أو وسائل الإعلام التقليدية. إذ أن اللغة السياسية المباشرة، بما فيها السخرية والهجوم على الخصوم، جعلت مقاطعه قابلة للتداول والمشاركة، وهو ما ينسجم مع منطق الشعبوية الرقمية. كما أن قوة الشخصية والخطاب جعلت كل خرجة جديدة من خرجاته قابلة لأن تتحول إلى حدث سياسي، حتى عندما لا يكون صاحبها مسؤولاً حكومياً. مما يظهر بأن وسائل التواصل قد تبقي السياسي السابق حاضراً في الذاكرة السياسية؛ فالشخص الذي كان يمكن أن يتراجع حضوره تدريجياً بعد مغادرة المنصب يستطيع إعادة إنتاج حضوره بشكل مستمر.وهنا تظهر مفارقة مهمة: وسائل التواصل الاجتماعي أضعفت احتكار المؤسسات الرسمية والإعلام التقليدي لصناعة الأجندة السياسية، لكنها في الوقت نفسه أعطت السياسيين السابقين فرصة لاستعادة النفوذ الرمزي.
بل يمكن أن يتحول السياسي السابق من فاعل مؤسساتي إلى فاعل إعلامي وشعبوي، وقد يكون تأثيره في النقاش العام أحياناً أكبر مما يسمح به موقعه الرسمي.وفي حالة بنكيران تحديداً، ينبغي التمييز بين استمراره كزعيم حزبي وبين استمراره كشخصية إعلامية وشعبوية؛ فالأول مرتبط بموقعه داخل حزب العدالة والتنمية، أما الثاني فيرتبط بقدرته على إنتاج خطاب قابل للانتشار والتفاعل خارج المؤسسات. وبالتالي فلفهم التوتر بين بنكيران والقيادة الحكومية والحزبية خلال ولاية سعد الدين العثماني. فالمسألة لم تكن مجرد اختلاف في الرأي، بل كانت أحياناً تضع رئيس الحكومة ووزراء العدالة والتنمية أمام حرج سياسي وإعلامي واضح.فبعد مغادرته رئاسة الحكومة، لم يعد بن كيران مقيداً بمسؤولية تدبير الحكومة أو بالتزامات الأغلبية. ولذلك كان يستطيع أن يقول ما لا يستطيع رئيس الحكومة سعد الدين العثماني أو أي وزير من الحزب قوله، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقرارات حكومية مثيرة للجدل. فبنكيران لم يكن مجرد أمين عام سابق؛ فقد كان رئيس الحكومة والأمين العام الذي قاد الحزب إلى صدارة انتخابات 2011 و2016. لذلك كانت تصريحاته تحظى بوزن لدى جزء من القاعدة الحزبية، حتى عندما تعارضت مع الموقف الرسمي للحكومة. فرئيس الحكومة كان يجد نفسه أحياناً في وضع صعب: إذا رد على بنكيران، بدا وكأنه يدخل في مواجهة مع الزعيم السابق للحزب. و وإذا تجاهله، أمكن فهم ذلك على أنه عجز عن الدفاع عن اختيارات حكومته. وإذا تبنى كلامه، فقد يضعف موقف الحكومة الرسمي. و الأمر نفسه كان ينطبق على بعض الوزراء. فالوزير المنتمي إلى الحزب كان مطالباً بالدفاع عن قرار اتخذته الحكومة، بينما يستطيع بنكيران، من خارج المسؤولية التنفيذية، مهاجمة القرار أو التشكيك في خلفياته. وهنا ينشأ نوع من الازدواجية في الخطاب السياسي داخل الحزب نفسه. و الأكثر إحراجاً كان عندما تتطور الخرجة إلى موقف حزبي رسمي. ففي بعض الحالات كان لا يبقى كلام بنكيران مجرد تصريح شخصي، بل تحول إلى موضوع نقاش داخل الحزب أو إلى بلاغ للأمانة العامة. وهذا كان يخلق مفارقة سياسية: الشخص الذي كان رئيساً للحكومة أصبح قادراً على ممارسة ضغط سياسي على الحكومة التي خلفته، من داخل الحزب نفسه.ومن الأمثلة الصارخة على ذلك أزمة تقنين القنب الهندي سنة 2021؛

فقد أعلن بنكيران قطع علاقته بالعثماني وبعدد من الوزراء المنتمين للحزب احتجاجاً على مصادقة الحكومة على مشروع القانون المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي.واللافت أن هذه الظاهرة قد كشفت شيئاً أعمق: بنكيران كان يمتلك “رأسمالاً شعبوياً” وحضوراً جماهيرياً لا يتوفر بالدرجة نفسها لرئيس الحكومة المؤسساتي. ولذلك كان يستطيع أن يتحدث بلغة مباشرة، حادة وأحياناً تصادمية، بينما كان العثماني مقيداً بمنطق الدولة والحكومة والأغلبية.وبالتالي قدم بن كيران من خلال خرجاته الاعلامية نموذجاً مبكراً لما يمكن تسميته “المعارضة من داخل الحزب”؛ أي أن السياسي لا يكون في المعارضة رسمياً، لكنه يحتفظ بحرية خطابية تسمح له بمهاجمة اختيارات الحكومة، مستفيداً من شعبيته السابقة ومن قدرته على التواصل المباشر مع الجمهور. فبعد إعفائه من رئاسة الحكومة سنة 2017، دخل بنكيران في حالة من الابتعاد النسبي عن المؤسسات الحزبية، لكنه ظل حاضراً لدى جزء من القواعد والجمهور، خصوصاً من خلال تصريحاته وظهوره عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وعندما مني الحزب بانتكاسة انتخابية مدوية التي ساهم فيها بن كيران من خلال خرجاته الإعلامية بشكل غير مباشر، تحول هذا الابتعاد من نقطة ضعف إلى نوع من الرصيد السياسي. إذ لم يعد بنكيران مسؤولاً مباشرة عن هزيمة حزبه، فأصبح بإمكانه تقديم نفسه باعتباره الشخص القادر على “إنقاذ” الحزب.لذلك يمكن قراءة المؤتمر الاستثنائي الذي أعاده إلى الأمانة العامة باعتباره رد فعل تنظيمي على زلزال 8 شتنبر 2021.فانتخابه بنسبة تقارب 81% من الأصوات لم يكن مجرد اختيار شخصي، بل كان رسالة من المؤتمر إلى القيادة السابقة: هناك قطاع واسع من الحزب حمّلها مسؤولية سياسية عن الانهيار، ويريد العودة إلى شخصية أكثر قدرة على التعبئة واستعادة الثقة.

ومن هنا يمكن القول أنه إذا كانت هزيمة 2021 صنعت الظروف التي جعلت عودة بنكيران ممكنة ومقبولة بل مطلوبة داخل الحزب، ف خرجات بنكيران الإعلامية وتصريحاته التي كانت أحياناً تحرج العثماني وقيادة الحزب، جعلت بنكيران، حتى وهو خارج القيادة حاضرا سياسياً ً. بل ظل يحتفظ بقدرة على التأثير في القاعدة الحزبية والرأي العام. ولذلك كان يمكن أن تتحول تصريحاته من مصدر إحراج للقيادة إلى مصدر قوة له عندما انهارت نتائج الحزب. أي بمعنى آخر:

فإذا كان بنكيران قبل سنة 2021 “زعيمًا سابقاً ينتقد القيادة”، وبعد 8 شتنبر أصبح “الزعيم السابق الذي يعتقد جزء من الحزب أنه قادر على إنقاذ التنظيم”.وهذا التحول قد يشكل مفتاح فهم عودته. لكن الأهم من كل ذلك أن عودته لم تكن عودة شخص إلى منصب فقط، بل كانت عودة لنمط سياسي وشخصاني في القيادة يقوم بدرجة كبيرة على قوة الخطاب، والحضور الجماهيري، والتواصل المباشر، وهو ما يفسر أيضاً لماذا أصبح بنكيران بعد عودته أكثر حضوراً في الفضاء الإعلامي والرقمي من القيادة الحزبية السابقة.ومن هذه الزاوية يمكن طرح سؤال أكثر دقة: هل كانت عودة بنكيران في 2021 محاولة من حزب العدالة والتنمية للعودة إلى “الهوية الشعبوية” التي ميزت مرحلة بنكيران بعد أن فقد الحزب جزءاً كبيراً من جاذبيته خلال مرحلة العثماني؟ ولعل هذا ما يفسر كثيراً من خرجاته اللاحقة. فبعد انتخابه أميناً عاماً لحزب العدالة والتنمية مجدداً سنة 2021، لم يتعامل بنكيران مع المنصب باعتباره وظيفة تنظيمية داخل الحزب فقط، بل حافظ على حضور إعلامي وسياسي كثيف. وقد استمر ذلك بعد إعادة انتخابه أميناً عاماً لولاية جديدة في أبريل 2025، ثم ازداد وضوحاً مع اقتراب انتخابات 2026. إذ واصل بنكيران خرجاته الإعلامية رغم أنه أصبح رئيساً للحزب. و يمكن تفسير ذلك من خلال عدة عوامل مترابطة:

1. شخصنة التواصل السياسي فبنكيران يتمتع بأسلوب تواصلي خاص: الحديث المباشر، العفوية، استعمال الدارجة، السخرية أحياناً، واستحضار تجاربه في الحكومة. ولذلك أصبح شخص بنكيران نفسه جزءاً من الخطاب السياسي للحزب، وليس مجرد ناقل للموقف الرسمي.وهذا يختلف عن نموذج الأمين العام الذي يتحدث أساساً باسم أجهزة الحزب ووفق بلاغاتها.

2. تعويض محدودية الحضور المؤسساتي فبعد انتخابات 2021 أصبح حزب العدالة والتنمية في المعارضة وبعدد محدود جداً من المقاعد مقارنة بما كان عليه سابقاً. وبالتالي لم تعد له نفس المنابر البرلمانية والإعلامية التي كانت متاحة له عندما كان يقود الحكومة. وبالتالي أصبحت خرجات بنكيران وسيلة لتعويض جزء من هذا التراجع في الحضور السياسي، وإعادة الحزب إلى النقاش العمومي.

3. الحفاظ على صورة “بنكيران الذي يتكلم بلا وسائط” .فهذه نقطة أساسية في شعبية بنكيران. فهو لا يقدم نفسه فقط باعتباره أميناً عاماً، وإنما باعتباره صوتاً سياسياً يستطيع مخاطبة الجمهور مباشرة.

4. تحويل الخرجات إلى أداة لإعادة بناء الحزب ، إذ بعد صدمة 2021، كان التحدي بالنسبة لبنكيران هو إعادة الثقة إلى قواعد الحزب وإقناعها بأن العدالة والتنمية لم ينته سياسياً. لذلك أصبحت جولاته ولقاءاته التواصلية تؤدي وظيفة مزدوجة: التعبئة الداخلية والتواصل مع الجمهور الخارجي.

لكن يبدو في بعض الأحيان أن كثرة خرجات بنكيران أصبحت أحياناً أكبر من مجرد التعبير عن موقف الحزب. فالأمين العام عندما يتحدث بكثرة في قضايا الساعة، ويطلق مواقف حادة أو ينتقد الحكومة أو شخصيات سياسية، يمكن أن يتحول تدريجياً من قائد حزبي إلى فاعل سياسي-إعلامي قائم بذاته.وهذا يفسر لماذا كانت خرجاته في فترات سابقة تحرج قيادة الحزب والحكومة التي يقودها سعد الدين العثماني؛ لأن بنكيران، حتى عندما لم يكن يتولى مسؤولية حكومية، ظل قادراً على فرض موضوع النقاش. وهذه الظاهرة ما زالت مستمرة حتى قبيب الانتخابات التشريعية. ففي يوليوز 2026 مثلاً، وُصفت تحركاته ولقاءاته في عدد من المدن بأنها ذات “دينامية خطابية مكثفة”، مع جولات شملت مناطق متعددة. كما طرح في أبريل 2026، بصفته أميناً عاماً، وعوداً سياسية مباشرة مثل العودة إلى الساعة القانونية وإلغاء تسقيف سن الولوج إلى التعليم إذا عاد الحزب إلى الحكومة. وبالتالي ، فإن بنكيران لم يصبح أميناً عاماً لكي يقلل من خرجاته الإعلامية، بل إن توليه الأمانة العامة أعطى هذه الخرجات وظيفة جديدة تتمثل في مخاطبة الناخبين مباشرة.

من هنا يمكن فهم خصوصية بنكيران داخل الحياة الحزبية المغربية: فهو أمين عام، وزعيم انتخابي سابق، ورئيس حكومة سابق، وشخصية إعلامية في الوقت نفسه. ولذلك يصعب الفصل بين ما يقوله باعتباره «بنكيران الشخص» وما يقوله باعتباره «الأمين العام للعدالة والتنمية».وهذا يقود إلى سؤال أعمق: هل ساهمت هذه الخرجات الكثيفة في إعادة بنكيران إلى قيادة الحزب بعد هزيمة 2021، أم أن العكس هو الصحيح: عودته إلى القيادة هي التي أعطته منبراً واسعاً لمواصلة خرجاته؟

وعموما ، فتجربة بن كيران تظهر بأن الشعبوية الرقمية كسرت جزئياً منطق “الإبعاد السياسي” التقليدي: في الماضي، كان فقدان المنصب أو الابتعاد عن المؤسسات يؤدي غالباً إلى تراجع الحضور؛ أما اليوم، فالهاتف والمنصة الرقمية يسمحان بإعادة إنتاج الحضور السياسي باستمرار.كما أسقطت الشعبوية الرقمية الحاجز بين السياسي والمواطن، لكنها قد تسقط معه أحياناً الحاجز بين النقد والإهانة. فالخوارزميات تميل إلى إبراز المحتوى الذي يثير الانفعال والتفاعل؛ ولذلك قد يكون الفيديو الذي يقول: «هذا الوزير أخطأ في هذا القرار»أقل انتشاراً من فيديو يقول:«شاهدوا هذا السياسي الفاشل…»أي أن حدة اللغة قد تصبح أداة لزيادة المشاهدة والتفاعل. وهنا تظهر علاقة مهمة بين الشعبوية الرقمية وثقافة الفرجة . فالسياسي لم يعد فقط موضوعاً للنقاش، بل أصبح أحياناً شخصية في عرض رقمي؛ والسخرية منه، وتقليده، وانتقاده بألفاظ قاسية، وتحويل تصريحاته إلى مقاطع ساخرة، كلها تصبح جزءاً من «الفرجة السياسية». لذلك يمكن القول إن الشعبوية الرقمية لم تمنح المغاربة فقط قدرة أكبر على انتقاد السياسيين، بل أعادت توزيع سلطة الخطاب السياسي: من التلفزيون والحزب والصحيفة إلى الهاتف والمنصة والمواطن الفرد. والنتيجة مزدوجة: ديمقراطية أكبر في التعبير والمساءلة من جهة، وانفلات أكبر في اللغة والتشهير والتبسيط الشعبوي من جهة أخرى. لذا يبدو أنه من المشروع أن يثار هذا السؤال المحوري :هل الشعبوية الرقمية ظاهرة سلبية بالكامل؟ فمن إيجابياتها أنها توسع المشاركة السياسية، خاصة لدى الشباب، و تتيح مساءلة المسؤولين بصورة مباشرة تكسر احتكار النخب التقليدية للفضاء العمومي. فالشعبوية الرقمية وسعت بصورة كبيرة مجال انتقاد السياسيين، وخصوصاً أمام الشباب، لكنها في الوقت نفسه نقلت الانتقاد من مجرد ممارسة للرقابة الشعبية إلى ما يمكن أن نسميه أحياناً «التشهير الخطابي» أو «العنف اللفظي الرقمي». حيث يمكن التمييز بين عدة مستويات:

* الانتقاد السياسي المشروع من خلال انتقاد قرارات الوزير أو النائب أو رئيس الحكومة، ومساءلته عن وعوده وأدائه.

*السخرية السياسية من خلال تحويل الفاعل السياسي إلى مادة للميمات والفيديوهات الساخرة والكاريكاتير الرقمي.

*نزع الهيبة السياسية حيث لم يعد الفاعل السياسي يتمتع بالمسافة التي كانت توفرها له المنابر الرسمية والتلفزيون؛ فالمواطن يستطيع مخاطبته مباشرة والتعليق على منشوراته.

*الإهانة والسب: حيث يتحول الأمر من نقد الفعل السياسي إلى استهداف الشخص بعبارات مهينة أو نعوت قاسية.

*المحاكمة الجماهيرية الرقمية: حيث قد تنتشر رواية أو اتهامات ضد سياسي بسرعة كبيرة، قبل التحقق من الوقائع.

ويعتبر هذا التحول مهم جداً في المنظومة السياسية بالمغرب. فالشاب الذي كان في السابق متلقياً للخطاب السياسي عبر التلفزيون أو الصحافة، أصبح اليوم معلقاً ومصوراً وناشراً ومقيماً للسياسي. بل يستطيع في بعض الحالات أن يصنع محتوى يصل إلى جمهور أكبر من الجمهور الذي يصل إليه السياسي نفسه. لكن هذه الإيجابيات لا تخفي بأن تكريس هذا النوع من الشعبوية الرقمية ، وبدون وعي سياسي وانتشار الامية بما فيها الامية السياسية وغياب أي تاطير سياسي،غالبا ما يؤدي إلى تآكل الثقة في جميع المؤسسات دون تمييز، واستبدال النقاش العقلاني بالشعارات، و تحويل السياسة إلى صراع بين “أخيار” و”أشرار”.بالاضافة إلى تعزيز الاستقطاب والانقسام المجتمعي. من هنا يظهر أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تخلق الشعبوية من العدم، وإنما عملت على تضخيمها وتسريع انتشارها. فقد وفرت بيئة رقمية تفضل الرسائل البسيطة والمشحونة عاطفيا على النقاشات المركبة، مما يدفع مختلف الفاعلين السياسيين إلى تكييف خطابهم مع منطق المنصات. لذلك، يرتبط مستقبل النقاش السياسي في المغرب بمدى قدرة الأحزاب والإعلام والمؤسسات التعليمية على ترسيخ ثقافة رقمية نقدية، تجعل المواطن أكثر قدرة على التمييز بين الخطاب البرامجي والخطاب الشعبوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى