
أميمة حدري
أعاد تنامي استهداف النساء في المجال السياسي عبر التشهير بحياتهن الخاصة ومعطياتهن الشخصية إلى الواجهة النقاش حول حدود المنافسة الانتخابية، في وقت باتت فيه الحملات الرقمية توفر مجالا واسعا لتوجيه هجمات تستهدف المرشحات خارج دائرة البرامج والمواقف والكفاءة السياسية.
وفي هذا السياق، قالت حنان أتركين، النائبة البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، إن الحياة الخاصة للمرأة السياسية “تحولت في كثير من الحالات إلى سلاح سياسي ممنهج” لإخراجها من المنافسة، موضحة أن اللجوء إلى جسد المرأة وأسرتها وحياتها الشخصية وصورتها واختياراتها الخاصة، بدل مناقشة برنامجها وكفاءتها، لا يمثل نقدا سياسيا وإنما يندرج ضمن العنف السياسي القائم على النوع الاجتماعي.
وأوضحت أن المرأة في المجال السياسي لا تواجه التقييم المرتبط بأدائها ومواقفها فقط، بل تجد نفسها في أحيان كثيرة مطالبة بتقديم حساب عن حياتها الخاصة، معتبرة أن هذا الأمر يعكس ازدواجية في التعامل مع النساء والرجال داخل المجال السياسي، حيث ينصب النقاش حول الرجل السياسي غالبا على قراراته ومواقفه وأدائه، بينما تنتقل المواجهة مع المرأة إلى تفاصيل تمس حياتها الشخصية وسمعتها وأسرتها.
وأضافت أتركين أن اللجوء إلى الحياة الخاصة للمرأة بهدف إقصائها من المنافسة لا يمكن اعتباره مجرد خلاف انتخابي، مشددة على أن استعمال هذه الوسائل للتأثير على المرشحات يمثل عنفا سياسيا، خصوصا عندما يقترن بالتشهير والتهديد والضغط.
وحذرت المتحدثة من أن مواقع التواصل الاجتماعي زادت من حدة هذه الممارسات، بعدما أصبحت الحملات الرقمية قادرة على نشر صور أو معطيات أو ادعاءات تستهدف المرشحات في وقت وجيز، معتبرة أن اختزال الظاهرة في مجرد “حملات إلكترونية” أو “ملاسنات انتخابية” لا يعكس حجم تأثيرها على المشاركة السياسية للنساء.
وفي ما يتعلق بدور الأحزاب السياسية في حماية مرشحاتها، أقرت أتركين بأن التدابير المعتمدة حاليا “غير كافية”، داعية الأحزاب إلى تجاوز خطاب دعم المشاركة النسائية نحو وضع آليات عملية لمواكبة النساء اللواتي يخضن الاستحقاقات الانتخابية.
وأكدت أن الحزب الذي يضع مرشحة في واجهة المنافسة يتحمل مسؤولية مواكبتها عندما تتعرض لحملات تشهير أو تهديد، سواء عبر الرصد والتوثيق أو من خلال التدخل القانوني والإعلامي، مشيرة إلى أن ترك المرشحة تواجه هذه الحملات بمفردها قد يساهم في استمرارها. معتبرة أن الصمت الحزبي تجاه حملات التشهير لا يمثل بالضرورة موقفا محايدا، موضحة أن غياب رد الفعل قد يعطي للمستهدفين انطباعا بإمكانية مواصلة هذه الممارسات دون تبعات.
وربطت أتركين هذا النقاش بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، معتبرة أنها ستكون مناسبة لاختبار مدى جدية الأحزاب في التعامل مع المشاركة السياسية للنساء، وما إذا كانت تريد حضورهن فقط ضمن اللوائح الانتخابية، أم تسعى فعليا إلى تمكينهن من خوض المنافسة والوصول إلى مواقع القرار.
وبخصوص القانون التنظيمي رقم 53.25 والمقتضيات الزجرية المرتبطة بالممارسات الرقمية خلال العملية الانتخابية، اعتبرت أتركين أن التشريع يشكل خطوة ضرورية، لكنه لا يوفر بمفرده جوابا كاملا عن الإشكالات التي يطرحها العنف الرقمي خلال الحملات الانتخابية.
وأشارت إلى أن طبيعة الفضاء الرقمي تجعل عامل السرعة حاسما، إذ يمكن لمحتوى تشهيري أو صورة مفبركة أن تنتشر على نطاق واسع خلال ساعات، في وقت قد تستغرق فيه الإجراءات القانونية مدة أطول، وهو ما يجعل الضرر واقعا قبل الوصول إلى مرحلة الحسم القانوني.
ودعت، في هذا السياق، إلى تعزيز آليات الرصد والتبليغ والتوثيق، وتسريع التحقيقات وترتيب المسؤوليات، إلى جانب تفعيل العقوبات متى ثبتت المخالفات، معتبرة أن التعامل مع العنف الرقمي ضد النساء باعتباره مجرد سلوك غير لائق يقلل من طبيعته وتأثيره عندما يستخدم للتأثير على المشاركة السياسية.
وشددت على أن التهديد أو التشهير أو التحريض أو نشر المعطيات الكاذبة بهدف تخويف مرشحة أو إسكاتها أو دفعها إلى الانسحاب من المنافسة لا يمس المرأة المستهدفة وحدها، وإنما يؤثر أيضا على حقها في المشاركة السياسية وعلى حق الناخبين في الاختيار بعيدا عن أساليب الضغط والتخويف.
وقبل انطلاق الحملة الانتخابية، دعت أتركين إلى اتخاذ إجراءات عملية لمواجهة هذه الظاهرة، من بينها إحداث آلية سريعة لرصد العنف السياسي والرقمي ضد النساء، تكون قادرة على استقبال الشكايات وتوثيق الانتهاكات وإحالتها على الجهات المختصة.
كما طالبت الأحزاب بوضع آليات داخلية لحماية مرشحاتها، إلى جانب التعامل بجدية مع خطاب الكراهية والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وإطلاق رسالة واضحة من الدولة والأحزاب والهيئات المعنية بالانتخابات بأن استهداف النساء بسبب ترشحهن لن يكون ممارسة بلا تبعات.
وفي تصور أتركين، فإن قياس نجاح الاستحقاقات الانتخابية لا ينبغي أن يتوقف عند عدد النساء اللواتي يخضن الانتخابات، بل يجب أن يشمل أيضا الظروف التي تتم فيها هذه المشاركة، ومدى قدرة المرشحات على المنافسة دون التعرض للتشهير أو الابتزاز أو التهديد بسبب حياتهن الخاصة.





