
عماد النية: صحافي متدرب
بالرغم من المجهودات المبذولة لتوسيع شبكة “مؤسسات الريادة” وتعميم التعليم الأولي، كشف التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي برسم سنة 2025 عن أرقام مقلقة واختلالات بنيوية عميقة لا تزال تعيق تطور منظومة التربية والتكوين بالمملكة.
وقد وضع التقرير، الأصبع على مجموعة من مكامن الخلل التي تتطلب تدخلاً عاجلاً للانتقال من مجرد توسيع القدرات الاستيعابية إلى تحقيق جودة فعلية تضمن الإدماج وتحد من الفوارق.
وأبرز التقرير أن ظاهرة الانقطاع عن الدراسة لا تزال تشكل أحد أكبر التحديات التي تواجه المنظومة التربوية، حيث غادر نحو 294 ألف تلميذ وتلميذة فصول الدراسة خلال الموسم الدراسي 2023-2024. ويُعد هذا الرقم أعلى من نظيره المسجل خلال الموسم الذي سبقه، مما يؤكد أن الاستراتيجيات الحالية للوقاية من الهدر المدرسي لم تحقق بعد الأثر المستدام المنشود.
وفي السياق ذاته، حذر التقرير من تفاقم وضعية الشباب الموجودين خارج أي إطار تعليمي أو مهني، والمعروفين بفئة (NEET). وتفيد الإحصائيات الرسمية المضمنة في التقرير بوجود حوالي 1.5 مليون شاب وشابة (تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة) في هذه الوضعية، أي ما يعادل 23.2 في المائة من هذه الفئة العمرية. ويعكس هذا المؤشر استمرار الهشاشة في تأمين المسارات التعليمية ومسارات الإدماج الاقتصادي للشباب.
وفي قطاع التعليم العالي لم يسلم القطاع من النقد، حيث توقف التقرير عند معادلة صعبة تجمع بين تعميم التعليم وتحقيق الجودة. وقد سجل المجلس استمرار تمركز الطلبة في الجامعات العمومية، وتحديداً في التكوينات ذات الولوج المفتوح التي تضم 928.195 طالباً وطالبة (أي 81 في المائة من مجموع طلبة الجامعات العمومية).
هذا التمركز أفرز معدلات تأطير مقلقة، إذ يبلغ المعدل في هذه الكليات 99 طالباً لكل أستاذ، مقارنة بالمعدل الوطني البالغ 62 طالباً لكل أستاذ، وهو ما يتجاوز بكثير المعايير الدولية المرجعية المحددة في 20 طالباً فقط لكل أستاذ. كما أن الاكتظاظ يطال أيضاً السلك الإعدادي الذي سجل معدل أقسام مكتظة بلغ 15.51 في المائة.
وفي شق التعلم والإدماج، كشف التقرير عن واقع مرير تعيشه فئة الأشخاص في وضعية إعاقة. إذ لا تتجاوز نسبة القادرين على القراءة والكتابة وإجراء العمليات الحسابية الأساسية ضمن هذه الفئة 35.4 في المائة. وما يزيد الطين بلة هو أن ما يقارب ثلثي هؤلاء الأشخاص لا يتوفرون على أي مستوى تعليمي، مما يحد بشكل جذري من فرص ولوجهم إلى سوق الشغل وإدماجهم في المجتمع.
أما على مستوى التعليم في القطاع الخاص، فقد لاحظ التقرير محدودية استغلال آليات التكوين المستمر التي تعد رافعة أساسية لمواكبة التحولات الاقتصادية. فرغم ارتفاع الميزانية المخصصة لعقود التكوين الخاصة بنسبة 77 في المائة بين 2014 و2023، فإن متوسط الالتزام بهذه الميزانية لم يتجاوز 33 في المائة، مع بقاء عدد المقاولات المستفيدة محدوداً جداً.
هذا وخلص التقرير إلى أن إنجاح مسار إصلاح قطاع التعليم، بجميع أسلاكه، يظل مرتهناً بالانتقال الفعلي نحو مقاربة قائمة على النتائج وتقييم الأثر الملموس، بعيداً عن لغة التوسع الكمي التي أثبتت محدوديتها في ضمان جودة التعلمات.





