
أميمة حدري
تدخل جبهة القوى الديمقراطية غمار الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، في ظل استمرار انقسام تنظيمي وسياسي داخل الحزب، تحول مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي إلى مواجهة مباشرة حول الجهة المخولة قانونيا وتنظيميا بإصدار تزكيات المرشحين وتمثيل الحزب في العملية الانتخابية.
ومع اقتراب موعد إيداع الترشيحات، برزت تزكيات صادرة عن الطرفين المتنازعين، مصطفى بنعلي ومصطفى لمفرك، بما يعكس استمرار الخلاف حول القيادة والتمثيلية التنظيمية للحزب، ويضع المرشحين والجهات المشرفة على العملية الانتخابية أمام سؤال جوهري يتعلق بمن يملك الصفة القانونية لإصدار التزكيات باسم جبهة القوى الديمقراطية.
وفي محاولة لتوضيح خلفيات هذا النزاع، تواصلت “إعلام تيفي“ مع الطرفين المتنازعين للوقوف على موقفيهما من الوضع التنظيمي للحزب ومن مسألة التزكيات الانتخابية. وبينما تمسك كل طرف بمشروعية تمثيله للجبهة، قدم كل منهما روايته بشأن الأساس القانوني والتنظيمي الذي يستند إليه في ممارسة صلاحياته داخل الحزب.
وحاولت “إعلام تيفي“ التواصل مع مصطفى بنعلي لفهم الوضعية القانونية والتنظيمية للحزب، غير أنه رفض الإدلاء بتوضيحات حول الموضوع، مكتفيا بالقول: “الحزب عندو رأس واحد”، قبل أن ينهي المكالمة.
وفي المقابل، أكد مصطفى لمفرك أن الشكايات التي تقدم بها بنعلي عقب المؤتمر الذي تم خلاله تعيينه أمينا عاما للحزب انتهت، بحسب روايته، بأحكام جاءت في صالحه، مشيرا إلى أن المؤتمر لم يتم الطعن فيه أمام القضاء المدني إلى حدود اليوم. مستندا إلى مخرجات المؤتمر والأحكام القضائية التي يعتبر أنها كرست مشروعيته في قيادة الحزب.
ويأتي هذا الخلاف في وقت تكتسي فيه التزكيات الانتخابية أهمية خاصة، باعتبارها إحدى الوثائق الأساسية المرتبطة بتقديم المرشحين باسم الأحزاب السياسية، ما يجعل الصراع حول الجهة المخولة بإصدارها يتجاوز حدود الخلاف الداخلي ليطرح إشكالا يرتبط بالصفة القانونية والتمثيلية التنظيمية للحزب أمام المؤسسات والسلطات المعنية بالاستحقاق الانتخابي.
وفي هذا السياق، اعتبر بلال لمراوي، الباحث في القانون العام، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن معيار الشرعية داخل الأحزاب السياسية يرتبط أساسا بمدى احترام القواعد المنظمة لقانون الأحزاب السياسية، إلى جانب القوانين الأساسية والأنظمة الداخلية لكل حزب، مشددا على أن الجهة التي تحترم هذه القواعد والمساطر تكون الأحق بالقيادة والأقرب إلى حيازة الشرعية التنظيمية والقانونية.
وأوضح لمراوي أن الشرعية الحزبية لا تقوم فقط على ادعاء التمثيلية أو امتلاك الأغلبية، وإنما تستند بالأساس إلى احترام المساطر والقواعد المؤطرة لانتخاب الأجهزة واتخاذ القرارات داخل التنظيم السياسي. مضيفا أن النزاع، متى تجاوز طابعه السياسي والتنظيمي وتحول إلى خلاف ذي طبيعة قانونية، فإن القضاء يصبح الجهة المخولة للحسم في مدى مطابقة تصرفات الأطراف للقانون.
واستحضر الباحث في القانون العام ما وقع سابقا داخل حزب الأصالة والمعاصرة، حين نشب خلاف بين تيار الشرعية وتيار المستقبل حول اللجنة التحضيرية، قبل أن ينتقل النزاع إلى القضاء الإداري، الذي حسم في شرعية اللجنة التحضيرية التابعة لتيار المستقبل، ليصبح الحكم القضائي مرجعا في تحديد الجهة التي تتوفر على الشرعية القانونية في ذلك النزاع.
وبالنسبة إلى أزمة جبهة القوى الديمقراطية، يرى لمراوي أن الإشكال ذاته يمكن أن يطرح بشأن التزكيات الانتخابية، إذ إن وجود طرفين يدعي كل منهما امتلاك الشرعية يفتح الباب أمام سؤال قانوني محدد: من هي الجهة التي يمنحها القانون الأساسي والنظام الداخلي للحزب صلاحية إصدار التزكيات وتمثيل التنظيم في الاستحقاقات الانتخابية؟
وتدخل وزارة الداخلية، في إطار اختصاصاتها المرتبطة بتنظيم العملية الانتخابية، في مرحلة فحص الوثائق والترشيحات المقدمة إليها، بما يجعل مدى استيفاء الملفات للشروط القانونية والتنظيمية عنصرا حاسما في التعامل مع التزكيات المتنازع بشأنها.
وبذلك، لم تعد معركة التزكيات داخل جبهة القوى الديمقراطية مجرد امتداد للخلاف السياسي والتنظيمي حول القيادة، بل أصبحت اختبارا فعليا للشرعية التي يدعيها كل طرف، خصوصا مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية. فالسؤال لم يعد فقط من يقود الحزب، وإنما من يملك، استنادا إلى القانون الأساسي والنظام الداخلي والقرارات القضائية ذات الصلة، الصفة القانونية التي تخوله إصدار التزكيات وتمثيل الجبهة أمام الجهات المختصة.
وفي حال استمرار النزاع حول الصفة القانونية، فإن القضاء يظل، بحسب الباحث في القانون العام، الجهة القادرة على الحسم النهائي في أي نزاع قانوني يتعلق بالشرعية التنظيمية وصلاحية تمثيل الحزب وإصدار التزكيات باسم جبهة القوى الديمقراطية.





