
أميمة حدري
عاد عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، إلى إقليم الحوز في جولة تواصلية تمتد على يومين وتشمل ست جماعات ترابية، في زيارة تأتي بطابع حزبي واضح، لكنها تضع رئيس الحكومة، بحكم موقعه ومسؤوليته التنفيذية، أمام أسئلة تتجاوز بكثير حدود العمل التنظيمي والتواصل السياسي.
الحوز ليس إقليما عاديا في أجندة الزيارات الحزبية، بل منطقة ما تزال تحمل آثار زلزال الثامن من شتنبر 2023، وما خلفه من خسائر بشرية ومادية عميقة. ولذلك، فإن حضور رئيس الحكومة إلى أمزميز وإمليل وتامصلوحت لا يمكن أن يقرأ فقط من زاوية افتتاح مقر حزبي أو عقد لقاءات مع المواطنين، وإنما يستدعي، بشكل طبيعي، استحضار حصيلة ما بعد الزلزال، وما تحقق فعليا على الأرض، وما لا يزال عالقا في انتظار التنفيذ.
واستهل أخنوش جولته من إمليل، حيث أشرف على افتتاح مقر لحزب التجمع الوطني للأحرار، قبل أن ينتقل إلى أمزميز لعقد لقاء تواصلي، ثم إلى تامصلوحت، فيما يتضمن برنامج اليوم الثلاثاء محطات أخرى بالإقليم.
هي جولة تعكس سعي الحزب إلى تكثيف حضوره الميداني والاقتراب من الساكنة، غير أن الحضور السياسي في منطقة متضررة من كارثة بهذا الحجم لا يخلو من حساسية، خصوصا عندما يتعلق الأمر برئيس الحكومة الذي ارتبطت ولايته بمرحلة إعادة الإعمار والتأهيل التي أعقبت الزلزال.
وخلال محطة إمليل، قدم أخنوش جزءا من حصيلة التدخلات الحكومية، مؤكدا أن الحكومة عملت على تنزيل التوجيهات الملكية وتسريع عدد من المشاريع المرتبطة بإعادة البناء والتأهيل. مفيدا بأن عمليات إعادة البناء والتأهيل همت أكثر من 50 ألف مسكن، وأن أزيد من 60 ألف أسرة متضررة استفادت من دعم استعجالي شهري لأكثر من سنة، إلى حين تأهيل مساكنها.
غير أن لغة الأرقام، على أهميتها في تقييم السياسات العمومية، لا تختصر وحدها حقيقة ما يعيشه السكان في المناطق المتضررة. فالحصيلة الحكومية لا تقاس فقط بعدد المساكن التي أعيد بناؤها أو الأسر التي استفادت من الدعم، وإنما أيضا بما إذا كانت هذه الجهود قد نجحت في إعادة الحياة إلى مناطق أنهكها الزلزال، وفي معالجة مظاهر العزلة، وتحسين الولوج إلى الصحة والتعليم، وخلق شروط اقتصادية واجتماعية تسمح للسكان باستعادة استقرارهم.
وهنا تحديدا تبرز صعوبة المهمة التواصلية أمام رئيس الحكومة. فساكنة الحوز لا تنظر بالضرورة إلى الزيارة من الزاوية التي تنظر منها الأحزاب إلى جولات التواصل، إذ إن المواطن الذي عاش الزلزال وواجه تداعياته لا يبحث فقط عن خطاب سياسي، وإنما عن أجوبة ملموسة حول ما تحقق وما تبقى، وعن تفسير واضح للتفاوت في وتيرة تنزيل الأوراش، وعن رؤية لما بعد مرحلة إعادة البناء.
ولذلك، فإن تحويل الحوز إلى محطة للتواصل الحزبي يظل محكوما بواقع محلي لا يسمح بسهولة بفصل السياسي عن الحكومي. فكلما حضر رئيس الحكومة في منطقة من المناطق المتضررة، حضرت معه تلقائيا حصيلة الحكومة وأسئلة المواطنين حولها. وكلما ارتفعت نبرة الخطاب حول المنجز، ازدادت الحاجة إلى أن يكون هذا المنجز مرئيا في تفاصيل الحياة اليومية، لا أن يبقى محصورا في الأرقام والتقارير.
ولا يتعلق الأمر هنا بالتقليل من حجم التدخلات التي أعلنتها الحكومة، وإنما بضرورة وضعها في ميزان التقييم العمومي. فإعادة بناء المساكن، وإن كانت أولوية لا خلاف عليها، ليست نهاية الطريق.
الزلزال كشف أيضا هشاشة عدد من البنيات والخدمات، وأعاد إلى الواجهة أسئلة أعمق تتعلق بالتنمية المجالية، وفك العزلة عن المناطق الجبلية، وتحسين البنيات الأساسية، وضمان خدمات صحية وتعليمية لائقة، وخلق فرص اقتصادية تحفظ للسكان ارتباطهم بمجالاتهم وتحد من هشاشتها الاجتماعية.
الساكنة التي تنتظر منذ سنوات لا تحتاج فقط إلى من يخاطبها، بل إلى من يجيبها. ولا يكفي أن تستعرض أمامها حصيلة التدخلات، بل تحتاج إلى أن تعرف ما الذي تحقق فعلا، وما الذي لم يتحقق، ولماذا، ومتى سيكتمل ما تبقى.
وبين حصيلة حكومية تستند إلى أرقام معلنة وانتظارات محلية تبحث عن أثر ملموس، يظل السؤال قائما: هل تستطيع الجولات التواصلية أن تقنع ساكنة ما بعد الزلزال، أم أن الإقناع الحقيقي يبدأ حيث ينتهي الخطاب، أي في الميدان، حيث تقاس الوعود بما تحقق منها، وتقاس السياسات بما تركته من أثر في حياة الناس؟.





