السعيد لـ”إعلام تيفي”: الترحال تغير شكله.. و”ميركاتو” التزكيات يحول الأحزاب إلى سوق للمرشحين الجاهزين

مديحة المهادنة
خبر_لم يعد الترحال السياسي في المغرب مجرد انتقال عابر لمنتخب من حزب إلى آخر، كما لم تعد المعركة تدور فقط حول الحفاظ على المقعد خلال الولاية الانتخابية. الظاهرة غيرت جلدها، وانتقلت من قلب المؤسسات المنتخبة إلى أبواب الانتخابات، حيث تحولت التزكيات، في عدد من الحالات، إلى مجال تنافس على أسماء تمتلك المال أو النفوذ أو الشبكات الاجتماعية والانتخابية القادرة على إنتاج المقاعد. والنتيجة، بحسب أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أمين السعيد، هي بروز ما بات يعرف بـ”الميركاتو السياسي”، في مقابل تراجع وظيفة الحزب باعتباره فضاء لصناعة النخب وتأطير المواطنين.
وفي قراءة قدمها لـ”إعلام تيفي”، يؤكد أمين السعيد أن الترحال السياسي ليس وليد انتخابات 2026، بل ظاهرة رافقت التجربة الانتخابية المغربية منذ أولى الاستحقاقات سنة 1963، وظلت تعكس إشكالا أعمق من مجرد تغيير لون حزبي؛ يتعلق بطبيعة العلاقة بين المنتخب والحزب والناخب، وبالسؤال حول ما إذا كان المقعد الانتخابي امتدادا شخصيا للمنتخب، أم ثمرة لإرادة سياسية تشكلت من خلال حزب وبرنامج وأصوات ناخبين.
ويستحضر أستاذ القانون الدستوري مرحلة 1998، عندما ظهر النقاش حول معالجة تغيير الانتماء السياسي داخل مجلس المستشارين، في سياق اصطدام الرغبة في محاصرة الظاهرة بمبدأ حرية الانتماء السياسي. وهي إشكالية ظلت حاضرة في الاجتهاد الدستوري: كيف يمكن حماية إرادة الناخب ومنع العبث بالتمثيلية السياسية، دون تحويل الانتماء الحزبي إلى قيد أبدي على حرية المنتخب؟
النقاش أخذ أبعادا أكبر خلال الولاية التشريعية الممتدة بين 2007 و2011، بالتزامن مع تحركات واسعة للمنتخبين وإعادة تشكيل الخريطة الحزبية. غير أن التحول الحاسم، بحسب السعيد، جاء مع دستور 2011 الذي نقل مواجهة الترحال من منطق الجزاءات الحزبية أو المالية إلى جزاء يمس المقعد نفسه.
فالفصل 61 من الدستور ينص صراحة على تجريد عضو مجلس النواب أو مجلس المستشارين إذا تخلى عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها، فيما يعود للمحكمة الدستورية التصريح بشغور المقعد وفق المسطرة المحددة.
ويمتد هذا المنطق إلى المجالس الترابية والغرف المهنية؛ إذ تنص المادة 20 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية على عدم إمكانية تخلي العضو عن الحزب الذي ترشح باسمه تحت طائلة التجريد، مع إسناد البت، بالنسبة إلى أعضاء المجالس الترابية والغرف المهنية، إلى المحكمة الإدارية المختصة.
ويرى السعيد أن هذه الترسانة نجحت، إلى حد بعيد، في تطويق الترحال خلال الولاية الانتخابية، لأن المنتخب أصبح يعلم أن تغيير انتمائه قد لا يكلفه توبيخا حزبيا أو غرامة فقط، وإنما قد ينتهي بفقدان المقعد. وقد كرست المحكمة الدستورية هذا التوجه في اجتهاداتها، معتبرة أن التخلي الثابت عن الانتماء السياسي يرتب التجريد من العضوية.
لكن المفارقة، وفق السعيد، أن تشديد الخناق القانوني على الترحال داخل الولاية لم ينه الظاهرة، بل دفعها إلى مساحة أخرى أقل إحكاما: نهاية الولاية وبداية سباق التزكيات.
هنا، يقول السعيد، لم نعد بالضرورة أمام منتخب يغادر حزبه وهو يحتفظ بمقعده، وإنما أمام سياسي ينتظر اقتراب الانتخابات ليعيد التموضع داخل الحزب الذي يمنحه أفضل فرصة للعودة إلى المؤسسة المنتخبة. وهكذا تحول «الترحال» في جزء منه إلى «ميركاتو» مفتوح بين أحزاب تبحث عن المرشحين القادرين على الفوز، ومرشحين يبحثون بدورهم عن التزكية الأكثر ربحا.
ويصف السعيد هؤلاء بـ”الكائنات الانتخابية الجاهزة”، موضحا أن المقصود ليس الإساءة إلى الأشخاص، وإنما توصيف نمط من المرشحين يدخل المنافسة وهو يتوفر مسبقا على رأسمال انتخابي؛ مال أو نفوذ اقتصادي، امتدادات عائلية وقبلية، حضور محلي قوي، أو شبكة قادرة على تعبئة الأصوات.
وهنا تنقلب، في نظره، العلاقة التقليدية بين الحزب والمرشح. فبدل أن يؤطر الحزب المواطن، ويكون الشباب، ويصعد مناضليه، ويبني نخبا تعكس مشروعه السياسي، أصبحت بعض التنظيمات تبحث قبيل الانتخابات عن أسماء جاهزة تستطيع تحويلها بسرعة إلى مقاعد.
الحزب الذي كان يفترض أن ينتج النخبة، أصبح في بعض الحالات يستوردها.
وتكمن خطورة هذا التحول في أن معيار القوة الحزبية قد يصبح، تدريجيا، القدرة على اصطياد “المرشح الرابح”، لا امتلاك البرنامج الأقوى أو التنظيم الأكثر حضورا أو الحصيلة الأكثر إقناعا. عندها يمكن لشخص أن ينتقل بين أحزاب ذات مواقع وتحالفات وخطابات متباينة دون أن تتأثر قدرته على المنافسة، لأن ثقله الانتخابي الشخصي يصبح أقوى من الهوية السياسية للحزب الذي يحمل لونه.
ويطرح السعيد هنا سؤالا مركزيا: إذا كان المرشح قادرا على الفوز بألوان الأغلبية اليوم، وبألوان المعارضة غدا، فأين ينتهي المشروع السياسي وأين تبدأ حسابات المقعد؟
ولا تتوقف التداعيات، في تقديره، عند حدود التنظيمات الحزبية. فالمواطن الذي يلاحظ انتقال الوجوه نفسها بين الأحزاب، وتنافس التنظيمات على استقطاب الأسماء القادرة على الفوز، قد يخرج بانطباع أن البرامج ليست مركز المعركة الانتخابية، وأن السياسة تتحول إلى تدبير للمواقع والمصالح أكثر منها منافسة بين اختيارات مجتمعية واضحة.
ومن هنا، يربط السعيد الظاهرة بأزمة الثقة، دون اختزال العزوف الانتخابي فيها وحدها. فالامتناع عن التصويت ظاهرة مركبة، لكن نوعية العرض الحزبي والنخب المرشحة تظل عاملا مؤثرا في اقتناع المواطن بجدوى صوته.
ويعتبر أن الرهان الحقيقي يكمن في بناء ثقافة التصويت السياسي، حيث يصبح الاختيار مبنيا على البرنامج والحصيلة والتوجه السياسي، بدل الاقتصار على الشخص والعائلة والشبكات المحلية والمصالح الضيقة.
أما الحل، فلا يراه السعيد في منع تغيير الانتماء الحزبي بصورة مطلقة، لأن ذلك قد يتعارض مع حرية الانتماء السياسي، وإنما في تقليص المساحات التي تجعل الترحال الانتهازي مربحا انتخابيا.
ومن بين المقترحات التي يضعها للنقاش، تشديد الشفافية داخل الأحزاب في منح التزكيات، وإمكانية اشتراط مدة دنيا للعضوية قبل الترشح باسم الحزب، كأن تكون سنة مثلا، حتى لا يتحول المناضل الذي قضى سنوات داخل التنظيم إلى مجرد متفرج أمام اسم التحق قبل أسابيع لأنه يمتلك فرصا أكبر للفوز.
كما يطرح إمكانية مناقشة ضوابط زمنية للانتقال بين الأحزاب قبل الانتخابات، مع التشديد على ضرورة إخضاع أي إجراء من هذا النوع لميزان دستوري دقيق يحمي حرية الانتماء والترشح، ولا يحول مكافحة الانتهازية الانتخابية إلى تقييد غير متناسب للحقوق السياسية.
غير أن السعيد يرى أن النصوص، مهما بلغت درجة صرامتها، لن تحل المشكلة ما دامت الأحزاب نفسها عاجزة عن إنتاج نخبها.فالحزب القوي، بحسبه، لا ينتظر الأسابيع الأخيرة ليسأل: من يستطيع أن يربح لنا الدائرة؟ بل يشتغل طوال سنوات على التأطير والتكوين وتجديد القيادات وصناعة مرشحين يمثلون مشروعه ويملكون في الوقت نفسه القدرة على إقناع الناخبين.وهو ما يجعل أزمة “الميركاتو السياسي” في جوهرها أزمة حزب قبل أن تكون أزمة قانون.
فالمغرب، وفق قراءة أمين السعيد، نجح إلى حد كبير في إغلاق باب الترحال خلال الولاية، لكنه يواجه اليوم تحديا أكثر تعقيدا عند نهايتها، حين تتحرك الأسماء والتزكيات وتبدأ إعادة التموضع بحثا عن الطريق الأقصر إلى المقعد.
وهنا يصبح السؤال الذي يسبق انتخابات 2026 أكبر من مجرد: من غادر هذا الحزب ومن التحق بذاك؟السؤال الحقيقي هو: هل ستدخل الأحزاب الانتخابات بنخب صنعتها ومشاريع تدافع عنها، أم بمرشحين جاهزين جرى استقطابهم في اللحظات الأخيرة لأنهم يحملون معهم مفاتيح المقاعد؟
لأن الديمقراطية لا تقاس فقط بنزاهة صندوق الاقتراع، بل أيضا بجودة الأحزاب التي تتنافس حوله، وبنوعية النخب التي تقدمها للمواطن، وبمدى قدرة صوت الناخب على اختيار مشروع سياسي حقيقي لا مجرد تغيير لون انتخابي.





