إعلام إسباني يصعد ضد المغرب.. من أزمة الهجرة إلى اتهامات بـ”الغزو” و الهجوم على وحدة “إسبانيا”

مديحة المهادنة
خبر_انتقل جزء من الخطاب الإعلامي الإسباني حول أزمة الهجرة في سبتة المحتلة من مساءلة تدبير الحدود والسياسات العمومية إلى لغة أكثر تصعيدا تجاه المغرب، وصلت إلى وصف أحداث 30 و31 يوليوز بـ”الغزو”، واتهام الرباط بتشغيل ما سمته إحدى الصحف الإسبانية “آلة الوحل ضد إسبانيا”، في معالجة صحفية مزجت بشكل واضح بين تصريحات رسمية مغربية وبين قراءة سياسية شديدة اللهجة لها.
صحيفة “إلفارو دي سبتة” نشرت، أمس الأحد 23 غشت، مقالا تحت عنوان: “المغرب يفعل آلة الوحل ضد إسبانيا: هكذا يشرح لماذا لم يتدخل في غزو سبتة”، على خلفية تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي لقناة “العربية” بشأن أحداث الهجرة الجماعية الأخيرة.
الصحيفة لا تتعامل مع الوقائع باعتبارها أزمة هجرة غير نظامية قابلة للنقاش من زوايا متعددة، بل تحسم توصيفها باعتبار ما وقع “غزوا”، قبل أن تنتقل إلى اتهام المغرب بمحاولة “غسل يديه” من المسؤولية وتشويه ما تعتبره اعتداء على وحدة التراب الإسباني. وهي توصيفات تعكس الموقف التحريري للمنبر أكثر مما تمثل وقائع محايدة أو توصيفا قانونيا متفقا عليه للأحداث.
سبب التصعيد كان جواب وهبي عن كيفية تعامل السلطات المغربية مع آلاف الشبان والقاصرين الذين اتجهوا نحو الحدود. الوزير قال إن اللجوء إلى مواجهة مباشرة كان يمكن، حسب تقديره، أن يؤدي إلى سقوط عدد كبير من الضحايا، مؤكداً أن السلطات اختارت تدبير الوضع بـ”الهدوء والمسؤولية”.
لكن الصحيفة أعادت تقديم هذا الموقف باعتباره تفسيرا لـ”عدم تدخل المغرب”، وربطته مباشرة باتهام الرباط بالتساهل مع عمليات العبور، رغم أن وهبي أكد في التصريحات نفسها أن السلطات حاولت منع المهاجرين من تجاوز الحدود، وأن بعضهم اتجه بعد ذلك إلى البحر.
النقطة الأكثر حساسية جاءت عندما نقل وهبي أن بعض الشبان كانوا يقولون إنهم يريدون دخول سبتة لأنها “مغربية”، متسائلا عن كيفية منعهم من التفكير بهذه الطريقة. الصحيفة اعتبرت هذا الجواب “تدخلا واضحا ضد إسبانيا” ومحاولة لإعادة طرح ما وصفته بـ”حق تاريخي زائف” بشأن سبتة ومليلية.
وهنا يتجاوز المقال مجرد مناقشة تصريحات وزير مغربي إلى تبني لغة سياسية صدامية، إذ يربط رأي شباب نقله وهبي بالموقف الرسمي للدولة المغربية، رغم أن العبارة، وفق النص المنشور نفسه، وردت على لسان الوزير باعتبارها كلاماً قاله بعض الشباب خلال الأحداث.
كما يقدم المقال أحداث نهاية يوليوز باعتبارها “هجوما واضحا على الوحدة الترابية لإسبانيا”، ويستحضر تصريحات رئيس الحكومة بيدرو سانشيز حول تعرض البلاد لـ”هجوم”، قبل أن ينتقده لعدم تحديد الجهة التي تتحمل المسؤولية عنه.
وتكشف هذه الصياغة عن تحول أزمة الهجرة إلى مادة للصراع السياسي والسيادي، حيث لم يعد النقاش مقتصرا على عدد المهاجرين وكيفية استقبالهم وإعادتهم أو على مسؤولية شبكات التهريب، بل أصبح المغرب نفسه موضوع اتهام مباشر في جزء من الخطاب الإعلامي الإسباني.
غير أن الصورة التي يقدمها هذا الخطاب لا تخلو من تناقض واضح. فالمادة نفسها تتحدث عن أزمة مستمرة داخل سبتة منذ أسابيع، وعن آلاف الأشخاص الذين لم تتم تسوية وضعيتهم بعد، وعن خلافات داخل الحكومة الإسبانية بشأن كيفية تدبير الملف، فضلاً عن استمرار البحث عن حلول للإيواء والأمن والصحة العامة. كما نشرت الصحيفة في اليوم نفسه مواد أخرى تنتقد التدبير الداخلي الإسباني للأزمة، بما في ذلك الوضع في الأحياء وانتشار التجمعات المؤقتة للمهاجرين.
وبالتالي، فإن اختزال الأزمة في سؤال “لماذا لم يمنع المغرب العبور؟” قد يحجب جانبا آخر من النقاش يتعلق بما جرى بعد تجاوز الحدود الإسبانية، وكيف تعاملت مدريد وسلطات سبتة مع آلاف الوافدين، ولماذا استمرت تداعيات الأزمة لأسابيع.
وهبي نفسه انتقد، وفق التصريحات التي نقلتها وسائل إعلام إسبانية أخرى، ما اعتبره تناقضا في سياسات الهجرة الإسبانية، متسائلا عن جدوى مطالبة المغرب بمنع الأشخاص من الوصول إلى الحدود في الوقت الذي يتم فيه استقبال من ينجح في تجاوزها، ودعا إلى اتفاق واضح ودائم مع مدريد والاتحاد الأوروبي لتدبير الملف.
كما أعلن استعداد المغرب للحوار ووضع قواعد واضحة للتعامل مع المهاجرين والناجين وجثامين المتوفين، وهو جانب حضر في تغطيات إسبانية أخرى للتصريحات نفسها، لكنه جاء أقل بروزا في المادة التي اختارت بناء عنوانها حول “آلة الوحل” و”الغزو”.
الأزمة،لا تكشف فقط حجم الضغط الذي أصبحت تمثله الهجرة غير النظامية على الحدود المغربية الإسبانية، بل تكشف أيضا حرب سرديات آخذة في الاتساع: خطاب في جزء من الإعلام الإسباني يحمل الرباط مسؤولية ما وقع ويستخدم مفردات “الغزو” و”الهجوم”، مقابل خطاب مغربي يرفض تحويل المملكة إلى حارس دائم للحدود الأوروبية ويطالب بتقاسم المسؤولية ومعالجة أسباب الهجرة وآثارها على جانبي الحدود.
وبين الروايتين، يبقى الخطر في أن يتحول ملف معقد يتداخل فيه الأمن والهجرة والقانون والسياسة والبعد الإنساني إلى أداة للمزايدة القومية والسياسية، خصوصا عندما تستبدل لغة الوقائع والمساءلة بمصطلحات من قبيل “الغزو” و”آلة الوحل” و”الاعتداء على السيادة”.
الأزمة التي تحتاج إلى تعاون مغربي إسباني طويل النفس قد تجد نفسها، بفعل هذا النوع من الخطاب، أمام نتيجة معاكسة تماما: مزيد من التوتر، ومزيد من تبادل الاتهامات، فيما تبقى الأسئلة الحقيقية حول شبكات الهجرة، والسياسات الأوروبية، وتدبير الحدود، ومصير القاصرين والمهاجرين بلا أجوبة نهائية.





