ابتداء من اليوم.. انطلاق العمل بقانون المسطرة المدنية الجديد بعد أكثر من خمسة عقود

أميمة حدري

بدأ المغرب، اليوم الاثنين، العمل بالقانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، في تحول تشريعي يضع حدا لأزيد من خمسة عقود من تطبيق النص السابق، ويفتح مرحلة جديدة في تنظيم إجراءات التقاضي وتدبير الدعاوى وتنفيذ الأحكام داخل محاكم المملكة.

ويأتي دخول القانون الجديد حيز التنفيذ بعد سنوات من النقاش حول الحاجة إلى تحديث قواعد المسطرة المدنية، في ظل ما أفرزه التطبيق العملي للقانون السابق من صعوبات مرتبطة بطول الإجراءات وتعقيدها، وإشكالات التبليغ والتنفيذ، فضلا عن الحاجة إلى مواكبة التحول الرقمي الذي تعرفه منظومة العدالة.

ويحمل النص الجديد تصورا يروم جعل المسطرة القضائية أكثر بساطة ونجاعة، من خلال إعادة ترتيب عدد من القواعد المؤطرة للدعوى، وتدقيق الاختصاصات، وتنظيم طرق الطعن، وتعزيز آليات تنفيذ الأحكام، إلى جانب الحد من الممارسات التي قد تؤدي إلى إطالة أمد النزاعات دون مبرر.

ومن بين أبرز المستجدات التي جاء بها القانون، تعزيز دور النيابة العامة في حماية النظام العام داخل الخصومة المدنية، حيث منحها إمكانية الطعن بالبطلان في الأحكام التي تمس بهذا النظام، حتى عندما لا تكون طرفا في الدعوى الأصلية، وفق الشروط التي حددها القانون.

وفي الاتجاه نفسه، وضع المشرع مقتضيات لمواجهة التقاضي التعسفي، من خلال تمكين المحكمة من الحكم بالتعويض متى ثبت استعمال حق التقاضي بصورة تعسفية، فضلا عن إقرار غرامات مالية في حالات معينة مرتبطة بالطعن أو التعرض عندما يتبين أن الغاية منهما هي المماطلة أو عرقلة تنفيذ الأحكام.

ويعيد القانون أيضا ترتيب قواعد الاختصاص، مع توحيد المساطر الإجرائية المتعلقة بقضاء القرب ضمن إطار قانوني واحد، وتكريس تنظيم يقوم على وحدة القضاء والتخصص. كما يحدد اختصاص المحاكم الابتدائية في مختلف القضايا المدنية والاجتماعية وقضايا الأسرة، مع إسناد المنازعات ذات الطبيعة التجارية أو الإدارية إلى الأقسام المتخصصة داخل هذه المحاكم بحسب الاختصاص.

وفي القضايا التي تتضمن عنصرا دوليا، يضع القانون قواعد أكثر تحديدا لاختصاص القضاء المغربي، بما يوفر إطارا قانونيا للمنازعات العابرة للحدود، ويرتبط، وفق التوجه العام للنص، بتعزيز الأمن القانوني وتحسين جاذبية المملكة للاستثمار.

كما يعيد القانون تنظيم عدد من الإجراءات المتعلقة بتقييد الدعاوى والمساعدة القضائية، محددا البيانات التي يتعين تضمينها في سجل القضايا، ومن بينها أسماء الأطراف ومحاميهم عند الاقتضاء وموضوع الدعوى وتاريخ الاستدعاء.

وينص، في ما يتعلق بالمساعدة القضائية، على توجيه مقال استئناف مقرر الرفض إلى محكمة الدرجة الثانية داخل أجل ثمانية أيام، وفق المقتضيات المحددة قانونا.

ويحتل الصلح موقعا متقدما ضمن التصور الجديد، بعدما عزز القانون دور المحكمة في تشجيع الحلول الودية، وأتاح لها عرض الصلح تلقائيا في أي مرحلة من مراحل الدعوى. ويُثبت الصلح في حكم غير قابل للطعن، وفق الشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون.

أما التحول الرقمي، فيشكل أحد أبرز وجوه القانون الجديد، إذ أفرد له مقتضيات خاصة تتيح إيداع المقالات والمذكرات والطعون إلكترونيا، واعتماد التوقيع الإلكتروني والتبادل اللامادي للوثائق، إلى جانب وضع ضمانات مرتبطة بحماية البيانات الشخصية والحجية القانونية للإجراءات الرقمية.

ويمتد هذا التحول إلى مسطرة التبليغ، بعدما أقر القانون التبليغ الإلكتروني ومنح المراسلات الموجهة إلى الحسابات المهنية للمحامين حجيتها القانونية، مع اعتماد البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية كمرجع احتياطي عند تعذر التبليغ بالعنوان المصرح به. كما ألزم أشخاص القانون العام بالإدلاء بعناوينهم الإلكترونية، وترك للأشخاص الذاتيين والمعنويين من القطاع الخاص إمكانية اختيار هذا النمط من التبليغ.

وفي القضاء الاستعجالي، أتاح النص الجديد إمكانية البت دون استدعاء الخصم في حالات الاستعجال القصوى، وحدد أجل استئناف الأوامر الاستعجالية في 15 يوماً، بما يعكس توجهاً نحو تسريع البت في القضايا التي لا تحتمل الانتظار.

ولا يتوقف التغيير عند مرحلة إصدار الأحكام، إذ امتد إلى التنفيذ من خلال تعزيز صلاحيات قاضي التنفيذ، وإتاحة الاستعانة بالمنصة الرقمية للبحث عن أموال المنفذ عليه وتتبع إجراءات التنفيذ، إلى جانب إمكانية إجراء البيع عبر منصة إلكترونية.

وقبيل دخول القانون حيز التنفيذ، صدرت دوريات عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة العدل والوكالة القضائية للمملكة، تضمنت توجيهات وتوضيحات بشأن عدد من المستجدات التي يتعين مراعاتها في تطبيق المقتضيات الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى